رحيل سعيد: غداة النكسة

(1)
رحل أمس وعن عمر يناهز 92 عاما أحد أشهر المذيعين العرب (أحمد سعيد ) ، وقد استبق ذكرى النكسة العربية عام 1967م بيوم ، وكأنما قلبه لم يحتمل مزيدا من مرارة الذكرى ، كان صوت أحمد سعيد يخترق الأثير فى إذاعة صوت العرب يتحدث عن نصر الجيوش العربية في معركتها ، بينما كانت الحقيقة المرة غير ذلك ، ومع أن الراحل لم ينقطع أبدًا عطاؤه، في مجال مهنته ، فقد اشتهر بالنكبة تلك وكمثال الدعاية .
لقد ولد أحمد سعيد (عام 1925 وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1946، وعين مذيعًا رئيسيًا منذ انطلاق برنامج صوت العرب عبر إذاعة القاهرة، ومديرًا لإذاعة صوت العرب عند تأسيسها عام 1953، وحتى عام 1967) .
عمل فترة في مجلة «آخر ساعة»، و»روز اليوسف»، و»الكواكب»، والتحق بالإذاعة سكرتيرًا فنيًا لمديرها، ثم تولى إدارة برنامج العلاقات الخارجية عام 1950.
سافر إلي منطقة القناة، واشترك في عمليات الفدائيين ضد القوات البريطانية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس والتل الكبير، وسجل هذه العمليات الحربية وأذاعها في الراديو.
لم يكن أحمد سعيد يتحدث أيام حرب النكسة عن وقائع الحرب ، وتفاصيلها اليومية ، وإنما كان يعبر عن إحساس آخر ، مشاعر شعوب خرجت للتو من الاستعمار وتتطلع إلى مرحلة جديدة من الانعتاق والتحرر ، لقد كان سعيد يعبر عن أشواق وأحلام الشعوب العربية ، في تلك المرحلة .
(2)
لقد كانت الشعوب العربية في تلك المرحلة الانتقالية من الاستعمار إلى التحرر ومع تصاعد موجة القومية العربية ، تنظر إلى المستقبل بآمال عريضة وأحلام مديدة ، ولم تكن تصدق بأن تلك الأشواق قد سقطت فى أول امتحان وأشرف امتحان ، ولم يكن سعيد سوى (مجرد أداة للإلهاء والسلوى) ، وبذات القدر اتسعت المساهمة العربية في وسائل التواصل الاجتماعي بعد الربيع العربي ، للتنفيس عن أحلامهم وتطلعاتهم عن آمال التنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي وهذه المرحلة الجديدة من الانتقال اتخذت هذه الوسيلة منصة وملاذا لبث الشجون.
إن الفراغ العريض وانعدام الأفق السياسي يخلق حالة الاحتقان ، ويزيد من قلق الشعوب على مصيرها ، وتبدو مظاهر ذلك في تفلتات شتى وتقلص الحس الوطني والدافعية وتنمية الشعور الذاتي أو الجهوي ، فإن كانت المنصات التقليدية فى السابق قادرة على الإلهاء وشغل الناس من خلال احتكار الأخبار وتدفق البيانات والأخبار ، فإن عالم اليوم شديد الانفتاح على مصادر المعرفة والأنباء ، ولا يمكن السيطرة عليه إلا من خلال الشفافية الواسعة وتقديم الحقيقة وتقوية الثقة في المنابر الإعلامية والصحفية ، وتوسيع مواعين انسياب تلك المعلومات ، وتنوعها بما يوفر الكفاية والإشباع.
رحم الله أحمد سعيد الإذاعي المصري ، الذى كان صوته أعلى من القاذفات والراجمات ، يدغدغ مشاعر الشعوب ويدفن أحلامها بصوت متهدج وهو يعلن استقالة عبدالناصر ، وهنا اليوم ملايين يبحثون عن صوت يبعث الأمل وإن كان وراءه هزيمة ، فالهزائم العربية أكثر من أن تحصى والله المستعان.