السودان والحالة الجنوبية

«1»
ثلاث حقائق ماثلة الآن في الحالة الجنوبية ، وأولها هذا التفتت الداخلي، حيث الحرب الضروس تحولت إلى حالة استقطاب قبلي شديد الضراوة ، ولم تعد الخيارات اليوم تدار في حيثياتها السياسية وتباين المواقف ، بل هي قبلية بحتة ، وهذا أسوأ كابوس يواجه أي دولة ، لأن القرارات تبنى على مواقف اثنية وإرث تاريخي ومشاحنات ، ويمكن مراجعة ردود الأفعال على مبادرة السودان أو أي قرار داخلي لاكتشاف أن كل شىء ينظر إليه من ناحية قبلية واثنية ، وقد أدى ذلك إلى (ضعضعة) مواقف النخبة السياسية ولم يعد هناك أى رمزية للدكتور لام أكول أو استيفن أو باقان أموم ، إلا من خلال الانتماء القبلي والجهوي ، وكان نتيجة ذلك تصاعد الغبن السياسي وزيادة وتيرة العنف وتعدد مصادره حتى كادت الدولة في الجنوب أن تفقد السيطرة وتقترب من الإدارة من خلال الكيانات القبلية ومجالسها .
والحقيقة الثانية ، إن العالم وقف يتفرج على دولة الجنوب وهي تنهار إلى مصير مجهول ، ووتيرة القتل تزداد وتتسع كل يوم ، وتراجعت الاهتمامات ، مع أن الوضع يشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمى (من خلال رعاية العنف والحركات المسلحة التي ترعاها جوبا ومن خلال حركة اللجؤ إلى دول الجوار وكل مظاهر التفلت) ومهدد دولي من خلال شيوع عصابات الاتجار بالبشر وتدمير البيئة وموجة الهجرة غير الشرعية ، ومع ذلك فإن الجهود الأفريقية لم تجد إسنادا يحقق النجاح لاتفاق السلام سوى عقوبات محدودة ، وغاب عن جوبا حركة الزيارات والمبعوثين الدوليين.
«2»
والحقيقة الثالثة ، أن السودان الذى ظل يفضل ، العمل وفق منظومةإقليمية ، اكتشف أنه يدفع الثمن من خلال تطاول الأزمة في المنطقة ، من حيث التزامه الأخلاقي بدعم شعب دولة شقيقة وذات وشائج اجتماعية ، ومن حيث تاثيرات حركة اللجؤ بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، ومن حيث البنية الاقتصادية وإنتاج النفط وحركة التجارة واستقرار المنطقة ، ومن حيث انفتاح السودان على القارة الأفريقية ، لأن هذا الحزام المشتعل يشكل حائط صد ، ومن حيث التزامات دولية ، فهناك الكثير من الملفات تتطلب دولة متماسكة في جنوب السودان ومن بينها قضية الديون الأجنبية والتزامات المجتمع الدولى وقضية أبيى ، والمؤتمر الدولي لتنمية الجنوب ودعم السودان.
إن موافقة الرئيس سلفاكير على لقاء د.رياك مشار في الخرطوم ، قد تشكل مسارا جديدا ، في توجه السودان تجاه جنوب السودان ، خاصة وأن حالة الاستقطاب الخارجي قد انحسرت ، ومظنة مواقف من بعض الدول أن السودان قد يكون طرفا في نزاع الدولة الجديدة قد انتفت .
لا تتوفر للسودان خيارات كثيرة غير قيادة مبادرة في اتجاه تحريك المياه الراكدة في بركة الحرب بجنوب السودان ، وربما تكون هذه المبادرة أكثر فاعلية من خلال دعم شعبي وأهلي ، فالحرب فى جنوب السودان أهلكت الحرث والنسل .. والله المستعان