الزكاة تجعل المجتمع المسلم أسرة واحدة.تزيد المال وتطرح فيه البركات..!

موضوع الزكاة لم ولن أجرؤ على طرحه من زاويته الفقهية الدينية لأنني لست أهلاً لذلك. ولكنني أجرؤ على طرحه من منظوره الانساني الاجتماعي الأسري الذي ينضوي تحته. فوراء كل طرح حكمة ربانية مغزاها عظيم ومفادها جليل. فما الحكمة من موضوع الزكاة؟
إن الحكمة الرئيسة من تأدية الزكاة تكمن في مكافحة فقر الأسرة المسلمة وعوزها، أي ألا تبقى أسرة فقيرة ومحتاجة على وجه الأرض، ليس هذا فحسب، بل وتتزايد أموال المزكي وتتكاثر وتتراكم.
الزكاة إذاً ذات وجهين وجه العطاء ووجه الأخذ. بمعنى آخر وجه المزكي ووجه المزكي إليه اللذان يتفاعلان ويتكاملان. فالأول يطهر أمواله ونفسه حيث قال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم». والثاني يلبي احتياجاته ويحقق رغباته ويسدد ديونه. فالزكاة إذاً ترمي بظلالها على الطرفين لا محالة.
هل يصح تقديم الزكاة إلى أحد أفراد الأسرة؟ إن كان القصد بأحد أفراد الأسرة: الأب والأم والأبناء والبنات والزوجة، فلا يجوز دفع الزكاة لهم لأن النفقة على هؤلاء واجبة. أما إذا كان المراد بأحد أفراد الأسرة غير هؤلاء المذكورين مثل الأخ والأخت والعم والخال فيجوز دفع الزكاة إليهم بل ويستحب ذلك لأن فيه صدقة وصلة للرحم. فأجرها أكثر حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم «اجعلها في الأقربين».
وهل تقتصر الزكاة على المال؟ أيضاً لا.. لأن الزكاة يمكن أن تكون مالاً أو مواد غذائية أو ملبوسات أو بطانيات …إلخ، كل ما يمكن أن يحتاجه الانسان من السلع ومواد أو بضائع تسد رمق المحتاج واحتياجاته، لا فرق بين المال النقدي أو السلع أو غيره.
وباختصار تترجم أبعاد الزكاة على حد قول أحدهم بما يلي:
الحفاظ على المال وتحصينه من تطلع الأعين عليه ووصول الأيدي الآثمة إليه.
مواساة الفقراء، ففيها مظهر من مظاهر التكامل الاجتماعي بين المسلمين وارساء قواعد الحب والاخوة بين الناس.
«من أراد زيادة ماله فعليه بالزكاة». هذا ما نسمعه دائماً. والزكاة يمكن أن تتمثل في حبة تمر وهذا دليل على مرونة تطبيق هذا الركن العظيم «الزكاة». الزكاة إذاً نسبية وترتبط بإمكانيات الفرد وأمواله، «فمن أعطى فلساً عوض الله عليه أضعافاً مضاعفة». وهذا هو بيت القصيد حيث تطرح الزكاة في رزق الفرد البركات.
ما فوائد الزكاة؟
يترتب على الزكاة فوائد جمة: منها الفردية ومنها الاجتماعية، الدينية والخلقية.
الفوائد الاجتماعية – الاقتصادية: تعتبر الزكاة العلاج الاسلامي الأهم لمشكلات الأسرة الاقتصادية حيث ان الزكاة داخل الأسرة تخفف عن الأسرة وطأة المشكلات المالية والصعوبات المادية وأزمات الحرمان التي تتعرض لها هذه الأسرة.
لقد شرع الله الزكاة اغناء للفقراء وسد حاجاتهم حتى يستغنوا عن ذل السؤال فيدفع الغني للفقير ما تزول به حاجته. ويعطي للعامل ما يكفيه هو ومن معه لعيشة كريمة ويعطي للغارمين وهم أصحاب الديون بقدر ما يسد دينهم وكذلك يعطي لابن السبيل ما يوصله إلى بلده.
وهكذا تكون محاربة الشح والبخل والاكتناز وتعويد الأغنياء على البذل والعطاء من أهم المغازي والأبعاد لفريضة الزكاة.
كما أنها تدفع الانسان إلى استثمار ماله وزيادته. انها تشكل الدفع الرئيس لحاجة الفقراء الذين هم السواد الأعظم في غالب البلاد.
إن الزكاة تجعل المجتمع الإسلامي وكأنه أسرة واحدة يتماسك فيها أعضاؤها ويتلاحمون على الحلو والمر فتمنع الجرائم المالية كالسرقات والنهب والسطو على الأغنياء والمرتاحين. كما تطفيء حرارة ثورة الجياع والفقراء وتقضي على كل نزعة تمرد أو ثورة تغلي في عروقهم ضد كل مرتاح أو غني. انها تقضي على النقمة التي يعيشها الفقير ضد الغني فتجعل من الفقير انساناً سوياً مكتفياً راضياً بعيداً كل البعد عن ايذاء الآخرين.
فكم نحن بحاجة إلى مثل هذه الأجواء وإلى مثل هذه المجتمعات النظيفة الراضية والمكتفية. لكن ما نلحظه في غالب المجتمعات العربية هو عكس ما شرعه الله لعباده ولولا ذلك لكانت الزكاة تتصارع مع البلاء الذي ينزل من السماء فتمنع وصوله إلى الأرض.
وهذه الأيام يستخرج زكاة عيد الفقر المبارك.
د. عائشة حرب
عن «كل الأسرة»