تواصل يومي بين الناس.. الوقائع شيء.. وتسجيلها شيء.انتقاد الآخر بأنه مخطيء يقطع الصلة بالحياة..!

التحدث مع الناس والتواصل معهم، هذا ما نفعله كل يوم، ولكن قلة منا يعرفون قواعد التواصل الذي يحترم حقيقة الذات والآخر. يقترح روزنبرج في هذا الكتاب طريقة تسمح بتنمية نوعية العلاقة في كل الظروف. كما تسهل فهم العلاقات بين الناس واحترام تنوعهم.
هذا الكتاب أطلق عليه اسم «التواصل غير العنيف» وقد تطور انطلاقاً من رغبتي في اكتشاف كيف نقوي قدرتنا على تحسين علاقتنا بالآخرين وحل الخلافات بروح طيبة.
حين نعطي بروح طيبة، نكون مدفوعين بالفرح الذي ينبع بشكل طبيعي متى ما ساهمنا بكل حرية في اثراء حياة شخص آخر هذه الهبة لا تكون نابعة عن احساس بالذنب أو الخوف أو الخجل أو الرغبة في أن نكافأ بالمقابل، نيتنا الوحيدة هي المساهمة في اسعاد شخص آخر.
العطاء بروح طيبة مفيد لمن يعطي كما هو مفيد لمن يأخذ. وهذا الأخير يمكنه أن يأخذ من دون أن يخشى عواقب عطية لا تصدر عن القلب. أما المانح فهو يستمتع بالشعور بالرضا لأنه ساهم في اسعاد شخص ما يزيده في الوقت عينه تقديراً لنفسه.
في المقابل إن من يعطي كمن يأخذ، يدفع ثمناً غالياً حين يكون العطاء مدفوعاً بالقوة بدل الروح الطيبة، وحين يكون الخوف والذنب أو الخجل مرفقين به، فمن يأخذ يأخذه احساس بالاستياء بسبب غياب الاندفاع من القلب لدى المانح، في حين أن هذا الأخير قد يشعر بعدم احترام لنفسه ناجم عن عمل قام به تحت ظروف ضاغطة كما عملت على التقاط اللغة والتفاعلات التي تتدخل في قدرتنا على العطاء بروح طيبة. وأنا أسمي هذه اللغة وهذا النوع من التفاعلات «التواصل الذي يقطع صلتنا بالحياة». كما تعرفت أيضاً على اللغة وعلى التفاعلات التي تقوي قدرتنا على العطاء بروح طيبة ودفع الآخرين إلى القيام بالشيء ذاته. وهذه هي اللغة والتفاعلات التي اسميها بـ«التواصل غير العنيف».
إن واحداً من أشكال التواصل الذي يقطع صلتنا بالحياة هو الانتقاد الذي يعني أن الآخر مخطيء أو انه سيء. مثلاً: مشكلتك هي أنك أناني كسول، منغلق، غير مهذب، إلخ..، هذا النمط من النقد يتضمن الاهانات والملامة والتنديد والتشخيص والأحكام وهو يتضمن بشكل صريح أو مبطن عبارة يجب أن… ويجب ألا….
أما النوع الثاني من التواصل الذي يقطع صلتنا بالحياة فهو يحتوي على كلمات تنكر علينا حق امتلاك الخيار، أو تعني ان الانسان ليس مسؤولاً عن أفكاره ومشاعره وأعماله، على غرار كلمات يجب وينبغي في جمل مثل: ثمة أشياء يجب أن تقوم بها، سواء أعجبتك أم لم تعجبك.
نحن ننكر مسؤوليتنا عن أعمالنا حينما ننسب سببها إلى أعمال الآخرين «ضربت طفلي لأنه اجتاز الشارع راكضاً»، إلى قوى غامضة غير شخصية «رتبت غرفتي لأنه كان يجب أن أفعل هذا». إلى حالتنا النفسية أو إلى ماضينا «أشرب لأنني مدمن». إلى الأوامر التي نتلقاها ممن هم أعلى منا سلطة «لقد كذبت على الزبون لأن رب عملي قال لي أن أفعل». إلى ضغط المجموعة «بدأت في التدخين لأن كل أصدقائي كانوا مدخنين». إلى سياسة مؤسسية أو قوانين «أنا أضع علامات منخفضة لأن هذه هي سياسة المؤسسة». إلى الدور الذي ينسب إلى جنس ما أو سن ما أو فئة اجتماعية ما «أنا أكره العمل ولكني أذهب إليه لأنني رب أسرة». إلى دوافع ونزعات لا تقاوم «أكلت شوكولاتة لأن هذا الأمر أقوى مني».
يركز التواصل غير العنيف على نقاط أربع: أولاً، ما يجري في داخلي، أي ما ألاحظه وأتخيله وأتذكره ويسهم في راحتي أو في اقلاق راحتي، وما أشعر به ازاء ما ألاحظه والطاقة الحيوية «من حاجات وتطلعات ورغبات وقيم» التي تولد مشاعري. ثانياً، ما أطلبه حتى أجعل حياته أكثر جمالاً. ثالثاً، ما يجري عند الآخر. ما يلاحظه الآخر ويتخيله ويتذكره ويسهم في راحته أو اقلاقها. وما يشعر به ازاء ما يلاحظه والطاقة الحيوية التي تولد مشاعره. رابعاً، ما يطلبه الآخر لجعل حياته أكثر جمالاً.
تقضي واحدة من مكونات التواصل غير العنيف بإجراء ملاحظة دقيقة لما يزيد أو يقلل سعادتنا. ومن المهم هنا تجنب مزج التقييم والأحكام مع وصف الوقائع. الملاحظة تصف شيئاً نراه ونسمعه أو نلمسه والتقييم يصبغ استنتاجات مستخرجة من الملاحظة. حين نمزج ملاحظة سلوك مع الحكم الذي نطلقه عليه. تتولد نزعة عند محدثنا نحو توظيف طاقته في الدفاع عن نفسه والهجوم المعاكس بدل أن يركز على فهم ما نعيشه. هذا لا يعني ان التواصل غير العنيف يستلزم منا أن نكون موضوعيين بالكامل وأن نمتنع عن الحكم تماماً على أعمال الآخرين. ولكن أن نفصل جيداً ملاحظاتنا عن أحكامنا.
حين لا يعجبنا سلوك الآخرين ونود أن نؤثر عليهم حتى يعدلوه، أو نوافق على سلوكهم ونرغب في أن ننقل إليهم تقديرنا، أعتقد انه من مصلحتنا أن ننطق بوضوح ما هو الشيء الذي نتفاعل معه من دون أن نمزج معه أي تقييم. فالخلط بين العنصرين يؤدي غالباً إلى تفسيرات مغلوطة وإلى موقف دفاعي. أتذكر مثلاً أماً وابنتها البالغة من العمر خمس عشرة سنة وقد جاءتا طلباً للاستشارة، سألت الأم ما ترغب في أن تراه يتغير لدى ابنتها، أجابت الأم هي غير مسؤولة تماماً. فردت الابنة في اللحظة ذاتها: هذا غير صحيح. فقلت للأم طلبت منك أن تقولي لي ما تفعله ابنتك لا ما هي عليه لأنها تتصرف كذا أو كذا. فأجابت الأم: تعتقد انها الوحيدة في الأسرة. فردت الابنة هذا غير صحيح. ومرة أخري قلت للأم انك تصيغين تقييماً ولا تقولين لي ما تفعله ابنتك. فكرت الأم لحظة وقالت: هذا صعب. كل ما يتبادر إلى ذهني هو تقييم.
إن فصل الملاحظات عن التقييمات يساعدنا أيضاً في التفكير والكلام بطريقة دينامية بدل أن تكون جامدة. نحن نخلق لأنفسنا مشكلات كثيرة حينما نستعمل لغة جامدة في عالم متغير باستمرار. إليك أمثلة على الخلط بين الملاحظة والتقييم: أنت كريم جداً. هو يتأخر في عمله. إذا لم تأكل بشكل جيد ستواجه مشكلات كثيرة. المهاجرون لا يأبهون للنظافة في منزلهم. هو لاعب كرة قدم سيء. هو قبيح. وإليكم الآن أمثلة على الفصل بين الملاحظة والتقييم. حين أراك تعطي مصروف جيبك. أقول إنك كريم جداً. هو لا يدرس إلا عشية الامتحانات. إذا كان طعامك غير متوازن. اخشى أن يرتد الأمر على صحتك. لم أرَ الأسرة المهاجرة في المنزل المجاور تقوم بتنظيف المنزل الذي تسكنه. لم أره يسجل هدفاً واحداً في المباريات العشرين التي حضرتها له. لا أحب شكله الخارجي. كما أن كلمات مثل دائماً وأبداً التي نستعملها للمبالغة وللتشديد على فكرة وكذلك كلمات مثل بكثرة، نادراً أو مرادفاتها تنم في أغلب الأحيان عن خلط بين التقييم والملاحظة.
المشاعر هي المكون الثاني من التواصل غير العنيف للتعبير عما يجري في داخلنا. لذا يجب أن نكون مدركين لما نشعر به حتى نعبر عنه بالكلمات وحتى نطور معجماً عاطفاً. هذا التواصل ضروري من أجل تفتح الثقة بالنفس والأمان. تقدم مشاعرنا معلومات حول درجة احساسنا بالراحة. وبعضها يشهد علي انزعاجنا البدني كما يشهد على درجة مشاركتنا الفكرية ودرجة رضائنا أو عدم رضائنا. وتنجم بعض المشاعر عن تفسيرات نقوم بها لما يجري حولنا. من المهم في الحديث عن مشاعرنا أن نتحاشى الكلمات المبهمة والعمومية والتي لا تصف بوضوح ما نشعر به. مثلاً عبارات: لا أشعر بأني بحالة جيدة.. حين لا نكون في حالة جيدة قد نكون قلقين أو غاضبين أو حزينين. إن مشاعرنا هي ميزان يشير إلى مساهمة الأحداث في وضعنا الداخلي. هل هي متناغمة مع حاجاتنا وقيمنا وهل نحن مملوئون بمشاعر ممتعة أو بمشاعر مؤلمة ومزعجة تحثنا على العناية بأنفسنا.
تأليف: مارشال روزبنرج
إعداد: هدى محيو