ضرورة التوافق على دستور دائم في السودان

خاص: سودان سفاري
مع كل ما يعتقده البعض من بروز أزمات سواء في الاقتصاد او السياسة او في أي مجالات اخري، فان من الامور الاستراتيجية المهمة في هذه الظروف المعقدة ان يبدأ السودانيون في التشاور والتوافق علي نسق دستوري متميز يضع هذا البلد في مصاف الدول ذات الانساق الدستورية الدائمة و المستقرة،والتي ترسخ لنظام سياسي متوازن متفق علي هياكله، قادراً علي مواجهة تداعيات الحاضر والمستقبل.
و تبرز أهمية التوافق علي الدستور في هذا المنحنى في السودان – رغم كل ما يعانيه هذا البلد في راهنه القائم- من عدة اعتبارات لابد من سبر غورها جيداً وتتمثل في:
أولاً، المعطيات السياسية المتاحة حالياً في السودان يمكن اعتبارها بمثابة «عجينة سياسية سهلة» لبلورة رؤية دستورية لا يتطرق اليها الخلاف او التنازع، فهناك مخرجات الحوار الوطني التي لا خلاف حولها قط.
مئات النقاط الاساسية المتفق عليها والتي قضي الاطراف الاساسيون في السودان من قوى حزبية ونخب وقادة رأي وادارة اهلية اكثر من عام و نيف يناقشونها حتي توصلوا الي تلك النقاط الجوهرية.
هذه النقاط الاساسية الجوهرية لا يمكن تركها ترقد كوثائق واوراق بلا قيمة، فهي تتضمن خلاصة الفكر السياسي السوداني، وخلاصة آراء خبراء لا يمكن بحال من الاحوال ان تكون هناك آراء مخالفة لها أو افضل منها. لماذا اذن لا يغتنم السودانيون هذه السانحة التاريخية التي لا تتكرر لبلورة رؤية دستورية تسهم في حل واحدة من اكبر معضلات السودان وهي الدستور الدائم؟
ثانياً، الدستور الانتقالي 2005م الحالي توفرت ارادة سياسية جيدة قبل حوالي 13 عاماً واخرجته بثوبه الديمقراطي المتفق عليه والاخير بمثابة مادة سياسية جيدة لا يمكن الاستهانة بها، فما فائدة هذه الورقة الدستورية التي صمدت لحوالي 13 عاماً وما تزال صامدة ان لم تتم بلورتها لتصبح دستوراً ثابتاً طالما أنها ورقة جاءت في اعقاب اتفاقية السلام الشاملة 2005 وفي حضور اقليمي ودولي ، وبتوافق سياسي مشهود؟
ثالثاً، كيف يمكن ايجاد حالة ثبات و استقرار في بلد كالسودان تخطي اصعب الأزمات و خرج من عشرات الحروب الاهلية باتفاقيات سلام مختلفة حازت علي الاحترام اللائق و التطبيق الجيد مثل اتفاقية السلام الشاملة، واتفاقية الشرق 2007 و اتفاقية الدوحة لسلام في دارفور 2012 ،والتي تعافي بعدها السودان سواء في الجنوب او الشرق او دارفور!
كيف يمكن المحافظة علي مكتسبات هذه الاتفاقيات ونجاحها المذهل و توفيرها للاستقرار اذا لم يتم ايجاد غطاء سياسي سميك لهذه المكتسبات السودانية بنسق دستوري شامل، مستقر و ثابت نابع من ارادة سودانية خالصة؟ الواقع ان حاجة السودان لنسق دستوري ثابت تبدو حاجة ملحة للغاية فهو بلد في طور التعافي من الحروب و الأزمات و اثبت انه بلد تتوفر فيه ارادة سياسية جيدة، قابل التحديات الصعبة بعزيمة واضحة، تجاوز مشاكله وفي حاجة الي استقرار حقيقي.
ان القوى السياسية التي ما تزال تحلم باسقاط الحكومة واقامة فترة انتقالية، تنظر الي الوراء بأكثر مما تنظر الي الامام و الي المستقبل، تعيش علي الماضي تاركة الحاضر والمستقبل وهي تتجاهل الاستحقاق الانتخابي الوشيك الذي لا يفصلنا عنه سوي عام واحد، ففي العام الذي يليه 2020 ستقوم الانتخابات، ومن الضروري ان يدخل السودان هذه الانتخابات العامة بدستور دائم يرسخ للاستقرار ولعملية التداول السلمي للسلطة .