الهوية والثقافة «2- 2»

زوايا : عماد البليك

إن الإحساس بالفقر الثقافي وأن الطريق طويل لدى الأجيال الأولى من السودانيين، كان قائما لدى البعض في حين افتقده آخرون ربما بطابع التجاهل أو الإحساس بالذات غير العارف، أو أنهم كانوا يفكرون فيما يسمى بالخلاص الفردي هذه الآفة التي أصبحت لاحقا هي المُوجِّه المباشر والمستمر في تحريك الذهنية السودانية إلى اليوم، حيث أن النخب والناس التي من المفترض أن لها التأثير والأثر باتت لا تحمل أي هاجس باتجاه الانتماء المؤثر الذي يضع له لبنة في البناء الوطني بعيدا عن تدبيج الأقاويل أو البكائيات.
وقد انتبه الأديب محمد عشري الصديق مبكرا «1925» في مقال سطره بعنوان «ما وراء الأفق» نشر بجريدة «حضارة السودان» في 30 أكتوبر من ذلك العام، إلى أن البلاد تفتقد للأساس المعرفي والعلمي وأن ثمة تحديات جسيمة في بلد لم يورث أهله غير الحروب، ويبدو أن ذلك ظل «قدرا» مستمرا.
كتب عشري: «ولا نزال فقراء في الروح مهازيل مسنين عجافا ضائعين بلا مال أو كيان لا تاريخ لنا ولا فنون ولا آداب أو علوم ولا صناعات أو حرف. ولا يزال عظماؤنا هم عظماء الفتك والحروب والتدمير، فلا شاعر ولا فيلسوف ولا كاتب ولا فنان ولا مصلح يلاقيك في تاريخ هذه البلاد، وليس بيننا من يعد من رجال العلم أو العمل. وليس للسلم عندنا من انتصارات كما للحرب، وأرضنا سهلة واسعة جدباء ليس عليها من آثار العبقرية والنبوغ إلا النذر اليسير».
ويرى محمد عوض غبوش في كتابه «السودان الحديث.. البحث عن طريق» «مركز عبد الكريم ميرغني – ط1 – 2013» أن عشري يشير إلى أن «الثقافة السودانية تمجد البطولة والشجاعة أكثر مما تمجد العلم والفكر والفنون، وما ينتج عن هذه الأجناس الإبداعية من ابتكار واختراع واكتشاف»، ويذهب غبوش إلى أن من إشكاليات الذهنية السودانية ظاهرة التلقي والتقليد بالإضافة إلى عدم انفتاح الإنسان السوداني بطريقة جريئة وعقل منفتح على الحضارات الكبرى الأخرى منذ القدم.
ويفتح ما سطره قلم عشري مبكرا العديد من الجراح التي لم تنكأ بعد، بل هي ذاتها والألم نفسه يتجدد، فإلى اليوم كأن المشهد نفسه لم يتقدم «قيد أنملة»، ما زلنا نراوح المسافات القديمة من التدوير والتمجيد الباطل، وما زالت، تنزف الأسئلة والغياهب ذاتها، ما يعني أننا لم نخرق مساحة الزمن ولا التاريخ لكي نقترب من فهم الذات بالدرجة التي تمكن من الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز فكر الشجاعة والتمجيد والحروب التي لم تسكن بعد. ولنقل أنه في تلك السنوات المبكرة كان الطريق ما زال غير واضح وأن البدايات لم تتبلور، لكن المشكل إلى الراهن، يتعلق بالنمط والبناء العام الذي يكاد يكون هو نفسه تماما رغم أن الفارق الزمني يقترب من القرن.
وما سطره عشري يفتح بدرجة أكثر ملموسية سؤال الثقافة والهوية والسياسة والإنسان، وهي مسائل متشابكة ومعقدة أيضا إلى اليوم لم نفرز منها إلا اليسير وربما لم يحصل ذلك أساسا. ما يعني ضرورة المزيد من المساءلات لإبعاد البطولة والشجاعة الزائفة واستبدالها بالمعني الحقيقي لأن تكون شجاعا بأن تقترب من مساءلة واقعك وتعمل على تطويره بدلا من الاستناد على مرويات الأمس والذات المشروخة بفعل الضيق النفسي التاريخي القائم على صراعات ليس لها من محركات أو محفزات سوى مسائل أصبحت من قيم التاريخ المتكلس، الذي علينا أن نسرع لغسله لكي نكون أكثر اقترابا من معادلة لحياة جديدة.