مأساة الضعين والروايات المرسلة

في 28 مارس 1987 حدثت واقعة مؤسفة في مدينة الضعين، عرفت في الادبيات باسم «مذبحة الضعين». المعلومات المتوفرة تقول ان ضحايا الواقعة، وجميعهم من قبيلة الدينكا، كانوا مكدسين، او قل محتمين، داخل عربتين من عربات الدرجة الرابعة بإحدى قطارات السكة الحديد. وأن أفرادا من قبيلة الرزيقات هاجموا العربتين وقتلوا هؤلاء عن بكرة أبيهم.
الذين يعرفون عربات الدرجة الرابعة في قاطرات سكك حديد السودان، يعرفون ان العربة الواحدة تسع في اقصى حد مائة راكب، جلوسا ووقوفا، مما يعني ان المجموعة ربما بلغت المائتين وفقا لهذا التقدير. ولكن تقريراً اعده الدكتوران عشاري احمد محمود وسليمان بلدو يقول ان ضحايا واقعة القطار عددهم ألفين. الفرق بين التقديرين «الاول مائتين، والثاني ألفين» لا يعدو ان يكون صفراً واحداً. مش مشكلة. يعني بقت على صفر؟!
ثم أن تقرير الدكتورين يقول ان هناك ضحايا اخرين خارج دائرة القطار، وهم بعض الافراد الذين جرى قتلهم اذ صادفهم بعض فرسان الرزيقات عرضاً في أماكن أخرى فقتلوهم. ومن هؤلاء من كانوا أضيافاً او خدماً داخل بعض بيوت أبناء الرزيقات، وثلة من العمال وجدوا في كمينة لصنع الطوب، ومخبز، او مخبزين، ومثل ذلك. وهكذا يكون العدد بالنسبة للفئة الاساسية من الدينكا الذين تجمعوا في محطة القطار واحتموا بالعربتين مائتين. أما ذلك الصنف الذي وجد بمحض الصدفة في عرض الطريق او في بيت او في مخبز فيبلغ عدده ألفاً ثمانمائة!
عموماً نحن معشر السوادنة، اهل عقيدة تقول بأن «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا»، وبالتالي فلن نختلف في الارقام. لأن الاختلاف في الأرقام لا معنى له، طالما أدركنا ان العبرة بالمبدأ لا بالعدد. وأن ما حدث، في نهاية المطاف، هو جريمة شنعاء بكل المقاييس.
وقد كتب الدكتور عشاري إحمد محمود في ذكرى هذه الواقعة الأليمة مقالة مطولة، بلغ عدد كلماتها خمسة آلاف وثلاثمائة وخمس وثمانون كلمة، أى أنه في الواقع كتب كتاباً لا مقالاً، بعنوان «في ذكرى ضحايا مذبحة الضعين». ومن فضل عشاري ومقاله علينا التذكير بالواقعة وملابساتها، بغرض التماس العبرة والتأمل في التجارب، وذلك برغم الخلاف العريض والبون الشاسع بين روايته والروايات المخالفة المطروحة من قِبَل أفاضل آخرين، حول حقيقة ما حدث وتفصيلاته.
ولكن كان هناك ما أهمني وأزعجني غاية الإزعاج في مقالة الدكتور عشاري، وهو ورود اسمي متهماً ب«الدغمسة» في شأن حادثة معينة تتعلق بنزاع قانوني بين الدكتور وبين الحكومة. كتب عشاري: «حاول الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل دغمسة هذه الواقعة، وأنكر حدوثها وتفَّه موضوعها، بينما ثابت في الأوراق, بعض منه منشور في الصحف اليومية, أن عشرين شرطيا داهموا بيتي وفتشوه على مدى ساعات، ثم ألقوا القبض عليَّ وفق تخويل قضائي كانوا تحصلوا عليه، وقرأوا لي التهمة عقوبتها الإعدام».
وقد بذلت مجهوداً كبيرا في محاولة التعرف على الواقعة التي يفترض انني دغمستها، فازددت قلقاً وانزعاجاً، بل وذهلت ذهولاً، إذ قرأت كلمات العشاري وهو يوجه لرئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدي هذه الاتهامات الغليظة: «كلف رئيس الوزراء وزيره صلاح عبد السلام بتوجيه مدير الشرطة اللواء عبده كاهن بفبركة تهمة ضدي. فانصاع مدير الشرطة وامتثل للتوجيه، وكلف بالتنفيذ الرائد آدم دليل فاختلق آدم تهمة عقوبتها الإعدام». ولا أدرى ان كان الدكتور يدرك فداحة ما يقول وهو يطلق مثل هذه الاتهامات المجلجلة في الهواء الطلق بلا بينة ولا دليل. ترى ماذا يكون الحال لو ان رئيس الوزراء السابق رفع سماعة الهاتف من منفاه الاختياري بالقاهرة وحادث محاميه، الاستاذ عادل عبد الغني، وكلفه بمقاضاة حبيبنا العشاري؟
شهدت ذات مرة مناقشة بين مجموعة من خيار الناس حول بعض ما ظل يكتبه حبيبنا عشاري بوجه الإجمال، خلال العامين الماضيين، ويثير كثيراً من التساؤلات في أنحاء المدينة. قال احدهم يقرظ عشاري انه «رجل صادق لا يكذب». فرد الآخر معززا شهادة أخيه: «نعم هو صادق. ولكنه يصدق الكضوبات»! ويخيل لي، والله أعلم، ان تصديق «الكضوبات» تربض في قلب المشكل العشاري!
ولا تخالجني ذرة شك في أن امثال هذه الروايات التي لا يصدقها العقل، كأن يأمر السيد الصادق المهدي، وهو في موقع رئيس الوزراء، مدير الشرطة بأن «يفبرك» تهمة عقوبتها الاعدام لمواطن سوداني، ثم يرسله الى «عشماوي» ليتخلص منه شنقاً، هي نفسها من «فبركات» الخبثاء وتخاليطهم. ولولا نقاء الحبيب عشاري وصفاء قلبه وجودة معدنه، لما تلقاها مصدقاً على نهج «يا مؤمن يا مصدق».
أما في ما يليني من أمر «الدغمسة» فما عدت ادري ما أقول، بعد ان احترت وحار دليلي. المختصر المفيد هو أنني لم اكن قد سمعت عن هذه الرواية قط الا عند قراءتي للمقال الاسبوع الماضي، وبالتالي فإنه يمتنع عقلاً ان اكون قد «دغمست» او «هبّبت»، او «نفيت» أو اكدت او «انكرت حدوث» او «تفّهت» او غير ذلك مما دلقه الدكتور عشاري احمد محمود على رأسي.
يا دكتور. يعلم الله أنك من أجلّ علمائنا، وأكرمهم، وأفضلهم. وأنك تحب وطنك وشعبك وتحملهما مكان القلب وتودعهما حدقات عينيك. ويعلم الله اننا نحبك ونجلك. ومن منطلق هذا الحب والاجلال نتوسل اليك: كنت صادقاً كما كنت، ولكن لا تصدق «الكضوبات»!