الفكي مدني: حكاية مقبرة في حوش التلفزيون

عطبرة: حسن عمر
في العام 1976م تقرر بناء مقر تلفزيون عطبرة وذلك في المساحة التي تضم مقابر الفكي مدني وأطلق عليها هذا الاسم نسبة لفكي شهير يسمى مدني كان أول من دفن في هذه المقابر بل وانه بعد ذلك تم بناء أحد أشهر أحياء عطبرة بالقرب منها فسمي حي الفكي مدني.. قامت السلطات بازالة كل القبور إلا قبر الفكي مدني الذي صار معلماً من معالم المدينة.
في تاريخ لم نتمكن من تحديده حضر الى عطبرة الحاج الطاهر وهو من شبه الجزيرة العربية وسكن بحي الداخلة وأقام بها وكانت له ساقية وكان بالداخلة آنذاك سبعة بيوت فقط ومن ضمن العائلات هناك كانت عائلة سناسن وكانت له ابنة في غاية الجمال تسمى علونه وقد سكنها شيطان وصار يصرف عنها أي عريس فصمم والدها سناسن على علاجها فانتظر حتى مر التكارين وهم عائدون من الحج حيث الطريق عبر بربر وعطبرة فقام الحاج سناسن باكرامهم ثم طلب منهم علاج ابنته فاشار أكبرهم الى الطاهر والد الفكي مدني وقال له هذا الرجل يستطيع معالجتها وقد كان فبعد انصراف الحجاج ذهب معهم الطاهر إلى ديارهم وقام بعلاجها وطلب بعد ذلك الزواج منها فوافقوا له على طلبه وتزوجها فانجبت له ابنه مدني وحمدنا الله وعندما بلغ الفكي مدني الخامسة من عمره ارسله والده الى خلاوي الغبش مع اخيه حمدنا الله وقام بعد ذلك بانشاء خلوة الفكي مدني بعد ان حفظ القرآن وتفقه في علوم الدين بانشاء خلوة بحي المقرن الواقع جنوب عطبرة لاتزال آثارها باقية حتى يومنا هذا، وتزوج من احدى قريباته وانجب ابناءه احمد والروضة وفاطمة وكان يعالج بطريقة الطب النبوي بجانب عمله في الزراعة كما انه يملك عدداً كبيراً من الابقار والخيول، وذات يوم كان يسير بابقاره في مساحة جرداء بعطبرة فوقف فجأة وقال لصحبه عندما أموت ادفنوني في هذا المكان، فاستغرب رفاقه لحديثه وانتقدوه على قوله فرد عليهم بقوله هذا المكان سيكون صُرة البلد: وقد كان فالمكان الذي حدده صار الآن في منتصف مدينة عطبرة بل وتم اختيار مساحته لبناء تلفزيون عطبرة.. ومن كراماته يحكي حفيده الشيخ الجزولي ان الفكي مدني ذهب لمنطقة قرب سيدون تسمى أم سار ومعه ماشيته وخيوله وفي المساء حضر أربعة من اللصوص الاشداء وقرروا نهب ما يملك فتصدى لهم مرافقوه من الخدم بالعكاكيز ولكن كان اللصوص يحملون السيوف وعندما حاولوا اخراجها من اجفالها التصقت ايديهم بالمقابض وتسمروا في أماكنهم حتى الصباح، وكان اهل قبيلة الكمالاب يسكنون بالقرب من مكان الحدث وشاهدوا ما حدث للصوص فاستسمحوه للعفو عنهم ففعل حيث قال لهم انصرفوا فتحركوا من مكانهم فارين، وصار الكمالاب من حيرانه وعلم اولادهم القرآن والفقه.. أما عند وفاته والتي لم يؤرخ لها أحد فيقول حفيده الجزولي توفى الفكي مدني داخل خلوته بالمقرن بعد ان اصابته علة فخرج عدد من الشباب لمقابر المقرن لتجهيز مقبرته وكلما حاولوا الحفر اصطدم المعول بحجر وقاموا بتغيير المكان قرابة العشر مرات وكان يحدث نفس الشيء فعادوا الى ابنه احمد واخبروه بما حدث في المقابر فرد بقوله «داير يدفنوه في المكان الذي حدده» وطلب من المشيعين حمل الجثمان الى ذاك المكان فقام رجال المقرن بذلك وقطعوا نهر عطبرة اذ ان قرية المقرن تقع جنوب عطبرة وصادف جفاف النهر وقاموا بدفنه في مكانه الحالي وبعد ذلك صار الناس يدفنون موتاهم بجانبه حتى توسعت المقابر واصبح له ضريح توضحه أعلام على جوانب المقبرة يزوره الناس ويضعون النقود على قبره ويتبركون فيه، وعندما قرروا بناء مبنى التلفزيون في عطبرة اختارت البلدية المساحة التي تقع فيها مقابر الفكي مدني وقاموا بازالة كل القبور إلا قبر الفكي مدني بل وتم فصل جزء خاص من المبنى بعد تسويره لضريحه وفي ذلك يقول حفيده الفكي الجزولي لقد كانت «الكراكه» تتعطل كلما اقتربت من قبره وكنا نتوقع انهم لن يستطيعوا ازالة مقبرته وما جاء في حديث حفيده عن عطل الكراكة ذكره عدد كبير من أهل عطبرة السابقين. ولازال ضريح الفكي مدني قائماً على ركن قصي في مساحة مبنى تلفزيون عطبرة.