على ضفاف عنف البادية (1-2)

423(1)
صديق عزيز يعرف ولعي بمتابعة وتوثيق التاريخ المعاصر، أو بالأحرى التاريخ المعاش، برّني الاسبوع الماضي بنسخة من كتاب الدكتور حسن الجزولي (عنف البادية: وقائع الأيام الأخيرة في حياة عبد الخالق محجوب)، الصادر عن دار مدارك، بتقديم من الدكتور محمد سعيد القدال. في مطلع الفقرة الأولى من الإهداء اقرأ: (إلى عوض الجزولي دياب) فأعرف على الفور أن المؤلف شقيق للمحامي والسياسي و الكاتب المثقف الأستاذ كمال الجزولي، وتشع من دخيلتي، بصورة عفوية وتلقائية، شعاعات من حب ومودة تجاه المؤلف، كونه شقيق كمال. وكمال من ذلك السنخ من خلق الله الذين إذا عرفتهم عن قرب احببتهم حبا يزيد ويفيض و ينداح على من حولهم مجانا ولوجه الله تعالى!
كمال شيوعي من الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس إذ جاء في الأثر: (إن لله عبادا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير و حبب الخير اليهم، اولئك الآمنون من عذاب يوم القيامة)، وقد حبب الله المكرمات إلى كمال وحبب كمال إلى المكرمات، وقد رأيته يسلك مسالكها و يمشي في مناكبها . وأخر عهدي به ليلة متميزة في يوليو 1995 حملت في صبحها عصا التسيار مهاجرا في ارض الله الواسعة. كان الصديق المغفور له محمد طه محمد احمد قد بدأ تلك الانعطافة الحادة في مساره الفكري ونهجه السياسي فانفتح علي التيارات المضادة للاسلام السياسي الحركي المنظم، يسمع ويحاور و يتأمل. وارتاحت نفسه القلقة الي ذلك المسار. وكنت اعرف انه قد جلس الي المغفور لها الاستاذه سعاد ابراهيم احمد، احدي القيادات التاريخية للحزب الشيوعي السوداني، بدارها بالخرطوم مثني وثلاث ورباع، وحاورها حوارات متعمقة مستفيضة.
أسرّ اليّ محمد بان لدية رغبة عارمة مستبدة أن يلتقي بالاستاذ كمال الجزولي وأن يتعرف إليه وأن يناقشه في بعض من أمور السياسة و الفكر. فكان ذلك اللقاء الذي جمع بين القطبين المتناقضين الرائعين بمنزلي بضاحية المنشية واستطرد واستطال حتى الهزيع الأخير من الليل. أقل بعدها كمال محمداً في سيارته متجهين إلى كوبر (الحي السكني، حيث أقام محمد، لا السجن). تقبل الله ذلك الفتى الزاهد القلق في الفراديس العلا وأطال في عمر كمال و بارك فيه.
(2)
أكاد أظن، ولا أؤكد، أن «عنف البادية» لحسن الجزولي هو أول عمل مستقل يوثق بصورة متكاملة وبدرجة عالية من الموضوعية والاستقامة المنهجية لوقائع الأيام الأخيرة في حياة القائد الشيوعي شبه الاسطوري عبد الخالق محجوب يعكف عليه وينجزه عضو عامل في صفوف الحزب الشيوعي. وعدا بعض الهنات الهيّنات والملاحظات التي ساعرض اليها لفوري، فإن العمل في إجماله، شكلا ومتنا، يستوجب عندي درجة جيد جدا، و أظن أن آخرين ربما انعموا عليه بتقدير الامتياز بغير تردد، و لست أحسبهم، أن فعلوا، متزيدين ولا متجاوزين. لا سيما أن المؤلف قد مزج باقتدار فذ بين التاريخ والسرد الروائي. وعندما يمتزج التاريخ بالرواية ، كما أفصح القدال في مقدمته ، فإنه (يصل إلى ذرى عالية كما في «قصة مدينتين» و «الحرب و السلام» و «لمن تقرع الأجراس»).
أطلق المؤلف رصاصة من مسدسه على قدمه، كما يقول مثل أمريكي، بغير مسوغ يبرر فعلته، وذلك حين أدلى في مقدمة الكتاب باعتراف طوعي بأنه لم يكن في مقدوره الالتزام «ببرودة التحليل والتوثيق الاكاديمي المجرد»، ثم أضاف إنه حاول التزام الموضوعية (رغم كل اللؤم و الخسة التي ……). ومن عجب أنني عندما أكملت قراءة صفحات الكتاب الثلاثمائة والخمسون وجدت أن الكاتب قد ترك الأحداث تتداعى والوقائع تعبر عن نفسها موثقة ومنسوبة إلى مصادر جيدة في غالب الأحوال، بغير تدخل منه يقدح في موضوعية الطرح والمعالجة اللهم إلا في مواقع محددة سنتوقف عندها إجمالا أو تفصيلا، ومنها ذات العبارة التي وردت في الاعتراف الطوعي، وهي عبارة: (رغم اللؤم والخسة!). و لقد كان في وسع المؤلف أن يقوم بتنقية مؤلفه من مثل هذه العبارات المتناثرة في مواقع قليلة وأن يتفادى بذلك الاعتراف على نفسه بجريمة من أخطر جرائم حرفة الكتابة كتحيّف الجادة و الميل مع الهوى.
من الشواهد القليلة التي ربما نالت منالها من القيمة الموضوعية لبعض طروحات المؤلف وصفه لنهج معاوية سورج بانه «تخريبي»، و استخدامه في هذا الصدد لعبارات مثل (مواصلة نهجه التخريبي) مما يجوز استخدامها في بيانات سياسية موجهة لعضوية الحزب تصف سلوكا سالبا وتحرض على إدانته، ولكنها بالقطع لا تليق بعمل توثيقي شبه اكاديمي يفترض فيه سرد الحقائق دون تظليل وتحليلها على أرضية منهجية. ومن ذلك ايضا ما ورد على لسان المؤلف في الصفحة 51 من أن إقصاء بابكر النور و فاروق حمد الله و هاشم العطا أدى إلى إضعاف مجلس قيادة الثورة ( الذي تفتقر باقي عضويته إلى الوعي السياسي و الفكري)، وهو إدعاء جسيم يصعب تقعيده وإسناده موضوعيا إذ يكاد يقترب . في صياغته هذه – من تنابذ السياسة أكثر منه إلى وقار التحليل.
ولعله قد ندّت عن ذاكرة المؤلف أن المجموعة التي لم يبخل عليها بهذا الوصف الاطلاقي تضم بابكر عوض الله رئيس القضاء الذي ضحى بمنصبه الرفيع دفاعا عن مبدئه في إثبات حق الحزب الشيوعي و مشروعيته في العمل السياسي عام 1966، ثم انه ، الى ذلك ، هو الشخص الذي كان عبدالخالق محجوب قد تخيره، دون غيره، للترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات الديمقراطية التعددية الثانية التي حال دون اجراؤها انقلاب 1969.
(3)
تعامل المؤلف بشئ من الخفة غير الجائزة عند إيراد بعض المصادر و توثيقها، على أهمية شأن المصادر في مثل هذا العمل الذي تصدى له. هذا مع أن القراءة الشاملة للكتاب تقود لزوما إلى أن المؤلف يلم الماما عاليا بأصول ومناهج الكتابة العلمية مما يدرج هذا القصور تلقائيا تحت مظلة « عجز القادرين على التمام». ومن الاساسيات في هذا الصدد أن المؤلف ملزم بإيراد أصول المصادر لا وسائطها، فإذا نشر المؤلف مقالا بموقع معين على الشبكة الدولية وأردت أنا أن أشير إلى معلومات وردت فيه فإنه يتعين علي أن أورد اسم المؤلف وعنوان المقال كمصدر للمعلومة و ليس اسم المنبر الالكتروني مجردا. وقد أورد المؤلف عددا من المعلومات الشديدة الحساسية مشيرا إلى أن مصدرها «سودانيزاونلاين»، وذلك موقع على الشبكة مفتوح للكافة، يصول فيه ويجول من يحسنون من لا يحسنون ويجوس خلاله الثقات وأهل الإفك، و نسبة معلومة إلى مصدر كهذا لا يقدم غطاءً توثيقيا يعتد به، فكان الأحرى بالمؤلف إذن أن يورد أصول المصادر في كل الأحوال.
ثم أن المؤلف تعامل مع بعض المصادر تعاملا يوحي بشئ من الازدواجية في المعايير، فهو يبدي التشكك في مصدر ويسفه شهادته، لا لعلة في المتن بل لصفات تلقي بظلالها على شخصية الشاهد، وذلك عندما يتناول رواية مصدرها شوقي ملاسي عن حوار دار بين الأخير وبين محمد إبراهيم نقد، و يقول المؤلف في مبررات التشكيك «أن نبرة المبالغة و التحشير فيها واضحة»، ووصف مصدر ما باعتماد المبالغة والتحشير في رواياته يقدح ولا شك في مصداقيته ويجعل الاعتماد على شهاداته مستقبلا أقل إمكانا، ولكن حسن الجزولي يعود في موقع آخر فيأتي برواية أخرى منسوبة لشوقي ملاسي يدور موضوعها حول مكالمة هاتفية بين الرائد هاشم العطا والنقيب صبري أرباب يوجه فيها هاشم بعدم استخدام الطائرات لضرب الدبابات المضادة في يوم 22 يوليو تفاديا لاحتمالات وقوع ضحايا من المدنيين، و هي مكالمة يقول شوقي إن السيدة خديجة صفوت تنصتت اليها بمحض الصدفة وسجلتها على جهاز كاسيت. غير أن حسن الجزولي يحتفي هنا احتفاءً واضحا بشهادة شوقي هذه المرة و يقبلها علي علاتها، متناسيا أنه كان قد نعته قبل صفحات قليلة بأنه يميل إلى المبالغات والتحشير!
(4)
ومع جودة وترابط المنهج الذي اتبعه المؤلف اجمالا في سرد الأحداث وتحليلها واستخلاص النتائج منها فأنني لم استحسن معالجته لأمر بعض الروايات التي أوردها هو نفسه على أنها (اشاعات) و (أقاويل) ترددت هنا وهناك. وتسجيل مثل هذه الاشاعات والاقاويل لا بأس به لا سيما أن بعضها قد ورد في وثائق الحكومة البريطانية وفي صحف عالمية واسعة الاحترام مثل صحيفة لوموند الفرنسية. و لكن المؤلف يعود فيورد هذه الاشاعات والاقاويل ضمن تلخيصه للعوامل والأسباب التي أدت من وجهة نظره إلى اندحار انقلاب 19 يوليو، بصياغة توحي بأنها حقائق راسخة و يلتمس الى تلك الغاية تعبيرات قطعية مثل قوله في الصفحة 149 (نستطيع حصر العوامل الخارجية التي ساهمت بشكل مباشر…..الخ)!
من أمثلة تلك الشائعات والأقاويل: المزاعم بأن الطائرة التي أقلت الوفد المصري الذي أرسله السادات للتشاور مع قادة الانقلاب، حملت على متنها عناصر من المخابرات المصرية احضرت معها وقامت بتسليم مؤيدي نميري الذين كانوا يتهيأون للتحرك (إبر الدبابات) التي كانوا يحتاجون اليها لتحريك الدبابات من معسكر الشجرة واستخدامها لدحر الانقلاب. و من ذلك ايضا ما تضمنته وثائق بريطانية تتحدت عن (شائعات) بانه (لم تكن وحدها القوات السودانية الموجودة على خط قناة السويس هي التي تم نقلها إلى السودان وإنما لحقت بها فرقة من المظليين المصريين). وهو ما أضافت اليه لوموند الفرنسية (انه لولا دعم هذه القوات لما كان للانقلاب المضاد ان يتم على وجه السرعة). و كون أن هذه الروايات رددتها مصادر ذات وزن مقدر لا يجعل منها حقائق يعتد بها طالما لم تتوفر أية ادلة أو قرائن ظرفية تمنحها قيمة ذاتية مستقلة. و بالتالي فإن حشدها وكأنها حقائق مسلم بها ضمن سلسلة الأسباب والعوامل التي أدت الى دحر الانقلاب لا يصمد أمام التقويم الموضوعي فضلا عن أنه يؤشر إلى اختلال منهجي.
(5)
من الناحية الشكلية ايضا ازعجني لحد ما ما بدا لي انه شئ من عدم الاكتراث من قبل المؤلف او لعلها بكلمات أخرى ضعف في الحساسية تجاه أهمية الدقة والضبط عند إيراد الرتب العسكرية. فقد تضمن الكتاب اسماء عدد كبير من العسكريين تعامل حسن الجزولي مع رتبهم واسمائهم تعاملا يدعو إلى العجب، إذ يورد اسماءهم في مواقع متعددة من الكتاب برتب مختلفة، فهو يذكر رتبهم الصحيحة احيانا، ثم يرقيهم في الفقرات التالية، ثم يعود بعد صفحات قلائل فيخفض رتبهم، و في بعض الحالات جردهم تماما من الرتبة! ومن أمثلة ذلك المرحوم عثمان حاج حسين ابوشيبة، الذي كان قائدا للحرس الجمهوري برتبة العقيد، و هي رتبة ترقي اليها استثنائيا قبل انقلاب 19 يوليو، مما استوجب علي الرائد هاشم العطا ان يضيف عبارة (إلا ما ندر) عندما نعي في بيان الانقلاب الاول علي نميري وزمرته اضعافهم للروح المعنوية داخل الجيش، إذ انهم بحسب البيان ( طفقوا ينثرون الترقيات الاستثنائية لا يراعون الكفاءة الا ما ندر). ولكن حسن الجزولي ذكر اسم عثمان حاج حسين مقرونا برتبة العقيد مرة واحدة ثم خفض رتبته فجأه الي مقدم واستمر علي هذا المنوال في عدد من المرات التالية التي ورد فيها الاسم، ثم عمد في الصفحة 249 إلى تغيير اسمه فاعطاه اسما جديدا إذ اطلق عليه المقدم محمد عثمان بدلا من العقيد عثمان حاج حسين!
واختلف الأمر بالنسبة للمرحوم معاوية عبد الحي الذي ورد اسمه في قرار تعيينه عضوا في مجلس قيادة ثورة 19 يوليو، ثم في قرار المحكمة العسكرية باعدامه لاحقا على أنه النقيب معاوية عبد الحي، غير أن حسن الجزولي أورد اسمه برتبة الرائد. أما عبدالعظيم عوض سرور فقد قدمه المؤلف على أنه الرائد عبدالعظيم في بداية الكتاب ثم خفضه في منتصفه إلى رتبة الملازم أول. و كذلك الحال بالنسبة للملازم أحمد الحسين الذي ورد اسمه برتب متعددة ثم تم تجريده من الرتبة تماما في نهاية الكتاب!
ذكر المؤلف اسم الرجل الثاني في انقلاب 5 سبتمبر 1975 على أنه (الرائد شامبي). والحقيقة أنه كان برتبة الملازم أول واسمه الكامل عبد الرحمن شامبي نواي. اما قائد انقلاب 25 مايو 1969 فقد جاء في الكتاب برتبة واسم البكباشي جعفر نميري. والبكباشي من سلسلة الرتب التركية الأصل التي كانت القوات المسلحة تستخدمها حتى العام 1966 ثم استبدلتها بسلسلة رتب عربية. و البكباشي تعادل في السلسلة العربية رتبة المقدم، ولكن نميري لم يكن مقدما إذ أن رتبته وصفته عند قيادته للانقلاب كانت العقيد جعفر نميري قائد ثان مدرسة المشاة بجبيت.
(نواصل).