كلمة السيد رئيس الجمهورية أمام الجلسة الختامية للمؤتمر العام للحوار الوطنـي

مشروع «الوثبة» أفلح في عقد حوار سوداني / سوداني خالص، اتسم بالموضوعية والعلمية وشمولية موضوعاته، وسعة حرياته

الوثيقة الوطنية التي أمضيتموها اليوم هي العقد الاجتماعي الذي يؤطر الرؤى المستقبلية لتطور بلادنا

11-10-2016-03-1

قال الله تعالى في محكم تنزيله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا – وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى- شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا – كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) «الآية 103 آل عمران»
الحمد لله الذي بتوفيقه تنجز الأعمال، وبقوته تتحقق الآمال، وبنعمته تتم الصالحات. والصلاة والسلام على من أتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، النبي الأواب، نسأل الله أن يجزل له الثواب، ومن سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الحساب. والسلام على جميع أنبياء الله ورسله الخلص الأطهار وسلم تسليماً كثيراً.
السادة أصحاب الفخامة والمعالي
ضيوف بلادنا الكرام :
فخامة الرئيس إدريس دبي اتنو – رئيس جمهورية تشاد- رئيس الاتحاد الأفريقي.
فخامة الرئيس/ محمد ولد عبدالعزيز – رئيس الجمهورية الإسلامية
الموريتانية – رئيس الجامعة العربية.
فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي – رئيس جمهورية مصر العربية.
فخامة الرئيس يوري موسوفيني – رئيس جمهورية يوغندا.
معالي السيد/ أحمد أبوالغيط – الأمين العام لجامعة الدولة العربية.
السيد/ نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الخاص للرئيس الروسي للشرق
الأوسط وأفريقيا.
السيدة/ المبعوثة الخاصة للحكومة الصينية للشؤون الأفريقية.
معالي السفير/ عبدالله عالم – الأمين العام المساعد للشؤون السياسية
لمنظمة التعاون الإسلامي.
السادة المبعوثون الدوليون.
السادة ممثلو السلك الدبلوماسي من الدول الشقيقة والصديقة.
السادة رؤساء الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية أعضاء مؤتمر الحوار الوطني .
السادة  أعضاء اللجان القومية للحوار المجتمعي .
السادة ممثلو الأجهزة الإعلامية.
المواطنون الكرام أبناء ومكونات هذا الشعب الأبي الذي يتابع هذا اللقاء التاريخي الجامع
أحييكم جميعاً تحية طيبة من عند الله مباركة ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. في البدء أرحب بضيوفنا الكرام ترحيباً حاراً باسم بلادنا، حكومةً وشعباً، الذين يشرفوننا بحضورهم الأنيق ونحن نختتم جلسات مؤتمر الحوار الوطني العام، ونستكمل بذلك فصلاً مهماً وأساسياً من مشروع «الوثبة» في مسارها المتصل بإصلاح البيئة السياسية، وهو إصلاح  يرجى منه تحقيق توافق سياسي بين القوى السياسية ومكونات المجتمع على المقاصد العليا للدولة. توافق يُعلى من الوعي القومي والولاء الوطني المستنير، ويؤسس لاستقرار سياسي يستند على ممارسة حزبية راشدة، سواء بالمشاركة في الحكومة أو بالمعارضة الوطنية المسؤولة، في إطار نظام سياسي ديمقراطي ناضج يرسخ مبادئ التنافس السلمي الرشيد والإيجابي، على أساس البرامج والمواقف والممارسات تجاه إدارة وسياسات الحكم التي اتفقنا عليها في الوثيقة الوطنية المتضمنة لكل التوصيات الواجبة النفاذ. فالوثيقة الوطنية التي أمضيتموها اليوم هي العقد الاجتماعي الذي يؤطر الرؤى المستقبلية لتطور بلادنا. وبمثل ما التزمنا في بداية طرح فكرة الحوار، نجدد ذلك الإلتزام اليوم بهذه الوثيقة الوطنية، وتأكيداً لذلك، نقول أمامكم جميعا:
ألا مجال بعد إقرارها اليوم لأي شكل من أشكال توظيف العنف في الممارسة السياسية، أو التعبير عن المواقف. فالعقد الاجتماعي الذي بين أيدينا الآن متمثلاً في هذه الوثيقة الوطنية هو ملك لأهل السودان جميعاً يلتزمونه جميعاً ويحمونه جميعاً ليسود التوافق الوطني المبني على التراضي بين القوى السياسية وتشكيلات المجتمع، باعتباره الإطار الراشد لممارسة الحكم وتوجيه الحياة العامة في بلادنا.
الإخوة أصحاب الفخامة الرؤساء
الحضور الكريم:
إن الركائز المتكاملة التي إخطَتَّها مشروع «الوثبة» متمثلةً في الحوار الوطني  بشقيه السياسي والمجتمعي وبرنامج إصلاح أجهزة الدولة، هي المعْلم الأبرز في تاريخنا السياسي من حيث الفلسفة الفكرية وسعة المشاركة الحزبية والمجتمعية، وأهل التخصص والخبرة والمعرفة. وذلك، لأن قضايا الوطن هي قضايا عامة، ولابد من طرحها في سياقها التاريخي، وعرضها عرضاً علمياً بحقائقها الموضوعية، لأن التغيير الوطني الهادف لا يتم إلا من خلال التناول الموضوعي للواقع التاريخي وإعمال المنهج العلمي في الأداء. لقد انعكست هذه الرؤية في حيوية القضايا التي تناولها الحوار الوطني، والتي اتسم التناول فيها بشفافية تامة وحرية كاملة، تسودها الصراحة والوضوح وإخلاص النوايا، مما مكن كل القوى والرموز المتحاورة من تجاوز ما يفرق، والاستمساك بما يوحد رؤاها حول قضايا الوطن الكلية لذلك، صار الأصل في مخرجاتها الاتفاق والتوافق ليصل مشروع الوثبة لغاياته المرجوة والمُتحققة بتوفيق الله تعالى .
لقد أفلح مشروع «الوثبة» في عقد حوار سوداني / سوداني خالص، اتسم بالموضوعية والعلمية وشمولية موضوعاته، وسعة حرياته. ولم يُحجر فيه على أحد المشاركة في إبداء الرأي وطرح الأفكار والخيارات والبدائل كيفما يراها. الأمر الذي يجعلنا نشعر بالفخر والإعزاز لما تحقق من نتائج متمثلةً في هذه الوثيقة الوطنية التي حققت ما لم تقدر عليه الأجيال المتعاقبة منذ تكوين الدولة السودانية.
لقد حقق مشروع «الوثبة» غاياته بالتوافق السياسي والمجتمعي والخروج بتوصيات تضمنت حلول ومعايير متوافق عليها، ويؤكد إلتزامنا بتنفيذها في كافة القطاعات التي وردت بها، صدق مرامينا في إقامة دولة المواطنة التي ترتكز على الحكم الراشد وسيادة حكم القانون وإحترام الحريات وبناء نظام سياسي قائم على الشورى والديمقراطية، ويعتمد التداول السلمي للسلطة من خلال الإحتكام لخيار الشعب وفق منظومة من القيم والمبادئ والمفاهيم المبنية على الرضى المجتمعي الذي يعمق الإنتماء للوطن، ويعزز التآلف الأهلي ويعضد الوحدة الوطنية، وينهي إلى غير رجعة حالة الاحتراب والتنازع والصراع.
ضيوفنا الكرام، الإخوة والأخوات أعضاء المؤتمر:
إن الجهود المخلصة التي بُذلت في الحوار الوطني بشقيه السياسي والمجتمعي، فضلاً عن ما تم من إعمال فكر ومراجعات تطويرية في برنامج إصلاح أجهزة الدولة، تدفعنا بثقة إلى إعتماد الوثيقة الوطنية الجامعة التي توافقتم عليها في الحوار السياسي والمجتمعي، وذلك لأنها لم تقتصر على بلورة مرتكزات الدولة الدستورية ومطلوباتها التشريعية فحسب، بل حددت النظام السياسي  الامثل، والكيفية المثلى لإدارة سياسات الحكم، ورسمت إطاراً كلياً لمعالجة قضايا البلاد. فالمرتكزات العامة التي بلورتها قوى المجتمع في حوارها لنظامنا التعليمي والثقافي والإبداعي والرياضي، فتحت المجال -فعلاً لا قولاً – لمشاركة قوى المجتمع المدني في بناء دولتنا وتحديث مجتمعنا والتعبير المشترك عن هويتنا، وهذا ما يمنح الوثيقة الوطنية قدراً معقولاً ومقبولاً من شمول النظر والمعالجة لقضايا بلادنا، وتحديد إتجاهات مسار المستقبل على قدر وافر من الرضى المجتمعي القائم على مفهوم دولة المواطنة. هذا المفهوم، بقدر ماهو مطلب للقوى السياسية على إختلاف أطروحاتها وبرامجها، إلا أنه يمثل ضرورة اجتماعية ملحة تكفل النمو السليم  للتكوينات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني، لأن الغاية النهائية لمشروع الوثبة الذي طرح فكرة الحوار الوطني بشقيه السياسي والمجتمعي، هي تمكين المجتمع  ليتقدم على الدولة  في مضمار النهضة الشاملة .
إن نجاح الحوار الوطني العام سيعبر بنا إلى المرحلة التأسيسية لتنفيذ مخرجاته. ونحن إذ نتقدم بالشكر الجزيل وعظيم التقدير لكل من شارك في هذا الحوار حضوراً وتداولاً من القوى السياسية والحركات المسلحة وغير المسلحة التي استجابت لنداء الحوار، نرجو التأكيد مجدداً على إلتزامنا بما تم الاتفاق عليه في هذه الوثيقة الوطنية، ونعُلن أمامكم من هذا المنبر المشهود بأننا سوف نتخذ كل الإجراءات المطلوبة لتنفيذها وفق الآتي:
1/ إجراء التشاور اللازم للتوافق مع القوى السياسية والمجتمعية لتكوين آلية  لمتابعة وتأكيد تنفيذ توصيات الحوار الوطني العام بشقيه السياسي والمجتمعي.
2/ بناء استراتيجية قومية على هدى مخرجات الحوار الوطني العام ، وفي ضوء مخرجات برنامج إصلاح أجهزة الدولة، وما تستلزمه من مراجعة وتعديل للسياسات والتشريعات بما يتسق وهذه المخرجات .
3/ تكوين آلية قومية جامعة لوضع دستور دائم للبلاد على هدى هذه الوثيقة، يحدد معالم البناء الدستوري والسياسي والاقتصادي والإجتماعي لمستقبل بلادنا، ويحقق الاستقرار للدولة السودانية.
ضيوفنا الكرام:
الحضور الكريم:
لقد أنجزنا عبر المسار الثاني لمشروع «الوثبة »خلال الأيام القليلة الماضية وثيقة الحوار المجتمعي، والتي جسدت تفاهمات واتفاقات تبلورت بعد تداول مشهود انتظم مختلف فئات المجتمع وتشكيلاته ومنظماته وقواه الفاعلة ورموزه في العمل العام، ووفرت فرصاً واسعةً لمشاركة المجتمع في صنع القرار المتصل ببناء الدولة وإدارة الشأن الوطني العام، وشكلت هذه المشاركة المجتمعية الضمان الحقيقي لحماية هذه الوثيقة بالسند الجماهيري والتأييد الشعبي لإصلاح الحياة العامة. وتلك هي الفلسفة التي قام عليها مشروع «الوثبة». فقد تجلت عبقرية المجتمع في وثيقة الحوار المجتمعي التي أكدت وعيه بقضاياه العامة، وقدرته على الاتفاق حول المشتركات، والوصول إلى الأطروحات الوسطية التي يلتقي عندها الجميع، مما وفر إطاراً مقبولاً تحل في داخله كل مشكلات البلاد. هذه هي عبقرية المجتمع التي أثبت من خلالها أنه متقدم على الدولة ومتفوق عليها. ولعمري، دولة يقودها المجتمع بوعيه، لن تخطئ ابداً مسالك القيادة والريادة والتقدم والتطور والنهضة.
وبمقتضى ذلك تتحقق الغايات والأهداف ويعاد ترتيب الأولويات العامة التي تحدد المقاصد العليا. وتتكامل عبقرية المجتمع مع مخرجات الحوار السياسي لتعضيد مشتملات الوثيقة الوطنية والتوصيات المقترنة بها، لا سيما  تلك الخاصة بتعزيز بناء القيم والمفاهيم المتفق عليها لتنمية المجتمع روحياً وثقافياً، وتحديد الاتجاهات المستقبلية للتطوير العلمي وتسريع وتيرته في التنمية الشاملة. وبذلك يتكامل كل هذا الجهد مع مخرجات برنامج إصلاح أجهزة الدولة في شقها المتصل بتعزيز قدرة هذه  الأجهزة  على رفع مستوى الاستفادة من الإمكانيات والموارد المتاحة، ولتكون – في ذات الوقت – مؤهلة  بالقدر الكافي للإستجابة لضرورات ومطلوبات استكمال النهضة الشاملة.
وختاماً أرجو أن أجدد عظيم الامتنان لكل القوى السياسية والمجتمعية التي استجابت للتفاعل الايجابي مع مشروع «الوثبة»، وصبرت وصابرت حتى وصل المشروع إلى غاياته المنتظرة. كما أجدد الدعوة للممانعين حتى لا يفوتوا هذه الفرصة التاريخية وشرف الالتحاق بالاجماع الوطني الذي لم يشهد له تاريخنا السياسي مثيلاً، وندعوهم للانضمام لمسيرة الوفاق الوطني الشامل بإذن الله تعالى. لنضع معاً نصب أعيننا السودان أولاً ليساهم الجميع في استكمال بنائه وتحقيق نهضته المنشودة .
ولا يسعني إلا أن أكرر الشكر والتقدير، وأثمن عالياً حضور الرؤساء والأشقاء والأصدقاء الذين شاركونا هذا الحدث التاريخي والمفصلي والعرس الكبير لبلادنا الحبيبة وهي تعبر بجهد بنيها إلى أفق السلام والأمن والاستقرار. اقول لهم حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً.
وما التوفيق إلا من عند الله العلي القدير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،