عمل الصغار استمر في الهبوط.. لكن ببطء.تدخلات للقضاء على ظاهرة تشغيل الأطفال

أقام مركز العاصمة للتدريب ودراسات العمل والهجرة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت والمجلس القومي لرعاية الطفولة ورشة عمل عمالة الأطفال بين الواقع والمأمول في الخرطوم مؤخراً بعنوان «دور التعليم والتدريب في مكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال»، أعدها وقدمها أ. عبد الرحمن يوسف حيدوب الخبير الإداري، وللأهمية نقتطف منها بعض الاشارات تعميماً للفائدة وإدارة حوار ونقاش.
أسوأ أشكال عمل الأطفال والتعليم
تعتبر ظاهرة تشغيل الأطفال من الظواهر التي تترك آثارا سلبية على المجتمع عامة وعلى الأطفال خاصة، ولهذا الاستغلال أشكال متعددة من أهمها تشغيل وتسخير الأطفال بعمل يكونون غير مؤهلين له من الناحيتين الجسدية والنفسية.
ويرى بعض الباحثين أن العمل ليس بالضرورة سيئاً للأطفال إذ يستطيع الأطفال مساعدة والديهم في البيت أو في مجال عمل الأسرة، شرط أن يكون العمل خالياً من الأخطار ولا يؤثر على النشاطات العادية للطفولة.
حجم المشكلة
تقدر منظمة العمل الدولية ان هنالك 215 مليون طفل عامل في الفئة العمرية «5-17» عاماً في العالم ومن هذا العدد 115 مليونا معرضون إلى الأعمال الخطرة، وهذا يعني انهم يعملون في أسوأ أشكال عمل الأطفال.
وتقدر اليونسيف من جهتها أن 150 مليون طفل من 5 إلى 14 عاماً في البلدان النامية ينخرط منهم حوالي 16% في عمالة الأطفال.
وتؤكد اليونسيف بناءً على احصاءات منظمة العمل الدولية ان الـ215 مليون طفل في الفئة العمرية «5-17»، في افريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعمل 1 إلى 4 أطفال، مقارنة بواحد من كل 8 في آسيا و1 من كل 10 في امريكا اللاتينية.
وتشير دراسة أعدتها الأمانة العامة للمجلس الأعلى لرعاية الطفولة بالسودان ان عمل الأطفال استمر في الهبوط ولكن ببطء كما سجل سابقاً إذ انه هبط إلى 10% ما بين 2000 إلى 2004 ولكنه هبط 3% فقط ما بين 2004 إلى 2008، وقد لوحظ هذا التناقص في مناطق أخرى غير ان افريقيا جنوب الصحراء قد زاد فيها عمل الأطفال إلى 58 مليونا بزيادة قدرها 24%.
أسباب تشغيل الأطفال
المستوى الثقافي للأهل بحيث لا يعلمون فوائد التعليم للطفل، الفقر والبطالة، أي أن الأطفال يرغبون بمساعدة أهلهم بسبب عجزهم عن الانفاق عليهم، قلة التعليم الإلزامي، قلة المعرفة بقوانين وأنظمة عمالة الأطفال، الحروب والأزمات التي ينتج عنها أعباء اقتصادية، نظام التعليم السائد والذي يكون سبباً في ترك الطفل للتعليم والهروب من المدرسة كسوء معاملة المعلمين للأطفال وعدم الرغبة في التعليم والاخفاق في الدراسة، الهجرة من الريف للمدن نتيجة لعوامل الجفاف والتصحر.
التدخلات للقضاء على الظاهرة
تتناول منظمة العمل الدولية في اطار برنامجها للقضاء على عمل الأطفال بأن مجهودات المجتمع الدولي للتعليم للجميع والقضاء المتقدم لعمل الأطفال مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، حيث أن الأطفال الذين ليس لهم مدخل للتعليم لهم بديل ضعيف إلا الدخول لسوق العمل وغالباً ما يعملون في ظروف خطيرة واستغلالية، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن عمل الأطفال يعتبر واحدا من العقبات للوصول للتعليم للجميع، حيث ان الأطفال الذين يعملون الوقت الكامل لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس، بالإضافة لذلك فإن التحصيل الأكاديمي يعاني بالنسبة للأطفال الذين يقرنون العمل بالمدرسة، وتمضي المنظمة لتؤكد أنه أصبح مقبولاً بشكل واسع لعدد من المنظمات بما في ذلك البنك الدولي واليونسيف ، إن التعليم وخاصة المجاني والاجباري وبنوعية جيدة، أصبح مقبولاً للوصول للدخول في العمل كما هو معرف باتفاقية العمل الدولية.
ومن معلومات مسنودة لليونسيف بأن 75 مليون طفل في العالم خارج المدارس وان أكثر من نصفهم يعيشون في أقطار متأثرة بالنزاعات، وهذا العدد من السكان يمثل المعطية الكبيرة الوحيدة لتحقيق أهداف التعليم للجميع، ولكن رغم أن هذه الدول ذات احتياجات طارئة وملحة إلا أن ضعف التمويل حال دون تحقيق هذه الأهداف بما واجه من مشاكل تختلف في درجتها بالنسبة للأطفال في هذه المناطق للدخول للتعليم للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال.
ويؤكد تقرير اليونسيف بشأن «وضع الأطفال في العالم» أهمية التعليم كعنصر أساسي لمنع الظاهرة وانه قد تراجع في السنوات الأخيرة في كل مكان عدا افريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث انه قد تزايد فعلياً، وان عمالة الأطفال لا تزال تضر النمو البدني والعقلي للأطفال واليافعين وتؤثر على تعليمهم، وتعزز عمالة الأطفال دورات الفقر بين الأجيال، وذلك نتيجة لعدم المساواة الاجتماعية التي يعززها التمييز فالأطفال من جماعات السكان الأصليين أو الطبقات الدنيا هم أكثر عرضة للتسرب من التعليم للعمل كما ان الأطفال المهاجرين معرضون للعمالة الخفية غير المشروعة، وفي هذا التقرير تدعم اليونيسيف خارطة الطريق للقضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال والتي تدعو لاستجابة شاملة لعمالة الأطفال، كما تدعم المجتمعات المحلية في تغيير قبول عمالة الأطفال ثقافياً وفي نفس الوقت تدعم استراتيجيات وبرامج توفير دخل بديل للعائلات والحصول على خدمات دور الحضانة والتعليم الجيد والخدمات الوقائية وتعمل أيضاً مع أصحاب العمل والقطاع الخاصة على تقييم سلاسل إعداداتهم وممارساتهم التجارية ودراسة تأثيرها على الأطفال.
ملامح لعمل الأطفال بالسودان
المشهد:
تشير بعض الدراسات انه أصبح مظهراً معتاداً أن تجد أطفالاً دون الـ15 عاماً واقفين ساعات طويلة تحت هجير الشمس الحارقة عند الاشارات الضوئية وهم يبيعون ما يسدون به رمقهم ويعولون به أسرهم. وبحسب الأرقام فإن عمالة الأطفال تتركز في قطاعات الزراعة والرعي والتعدين رغم سن قوانين تحظر عمالة الأطفال واستخدامهم في الأعمال الشاقة والخطرة.
وأما عن المخاطر التي يتعرضون لها فقد أقرت المستشارة أميمة عبد الوهاب بالمجلس القومي لرعاية الطفولة في ورشة بشأن «محاربة أسوأ أشكال عمل الأطفال» بوجود دراسة تثبت وفاة ثلاثة أطفال يومياً بسبب حوادث السيارات نتيجة وجودهم في الشوارع، فضلاً عن وفاة أعداد كبيرة في مناطق استخراج الذهب تقليدياً، ولفتت النظر إلى ارتفاع عدد الأطفال المصابين بسبب العمل بالإضافة إلى عدم الالتزام بالضمان الاجتماعي.
آخر تقرير صدر قبل ثلاث سنوات أعلن ان 57% فقط من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 6 و16 هم الملتحقون بالمدارس، وان العاملين من الأطفال يعملون في مهن تبدو شاقة وغير مناسبة لأعمارهم، ويثير تدفق الأطفال على سوق العمل وانخراطهم فيه تساؤلات بشأن نجاعة ما يبذله القائمون على أمر الأطفال من جهود لمحاصرة المشكلة.
حجم عمالة الأطفال:
يصعب في كثير من الأحيان الحصول على مقياس مباشر لمدى انتشار عمل الأطفال إلا أن ارتياد المدارس ومستويات الفقر توفر مقاييس بديلة لتقييم عمل الأطفال، فارتياد المدارس يفرض قيوداً على ساعات العمل وطبيعته وشروطه، اضافة إلى ان حضور كافة ساعات التعليم في المدرسة يتعارض مع ممارسة أسوأ أشكال عمل الأطفال.
التشريعات
ومن التدخلات الهامة للقضاء على الظاهرة توفير التشريعات والآليات التي تنفذها على أرض الواقع ونذكر من هذه التشريعات ان دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 قد أورد بالمادة 13»1»»أ» منه «ترقى الدولة التعليم على كافة مستوياته في جميع أنحاء السودان، وتكفل مجانية التعليم والزاميته في مرحلة الأساس وبرامج محو الأمية» وإذا ما تم ذلك فإن الفئة العمرية ما بين 6 و13 سنة تكون محصنة من الدخول لسوق العمل.
وجاء بالمادة «30»»1» منه «يحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع أشكاله ولا يجوز استرقاق أحد أو اخضاعه للسخرة»، كما ورد بالفقرة «2» من نفس المادة «لا يجوز ارغام أحد على أداء عمل قسراً إلا كعقوبة تترتب على الإدانة بواسطة محكمة مختصة».
إلى جانب قانون العمل لسنة 1997م الذي تضمن في مادته 4 الخاصة بالتفسير يعرف الحدث بأنه «يقصد به كل شخص لم يبلغ السادسة عشرة من العمر» وهذا التعريف يعطي السودان مرونة كبيرة في التعامل مع سن العمل بالاضافة لقوانين أخرى وما يصدر من لوائح.
التوصيات
– أن تكون مناهضة عمل الأطفال جزءاً أصيلاً من سياسات اصلاح وتطوير التعليم.
– زيادة معدلات القبول والاستيعاب بمرحلة الأساس للاسراع بتحقيق إلزامية ومجانية التعليم.
– جعل البيئة المدرسية جاذبة وذلك بتهيئتها بتوفير الكتاب وحسن الإجلاس.
– تخفيف حدة الفقر بخفض معدلاته عن طريق تقوية شبكات الأمان الاجتماعي ومراجعة أدائها للتعرف على فاعليتها للوصول لذلك.
– توسيع مظلة التمويل الأصغر والتأكد من استفادة الشرائح الضعيفة بالمجتمع منها، شمول التأمين الصحي لكل المواطنين.
– عمل مسح لعمالة الأطفال واستقطاب الدعم المالي والفني من منظمتي العمل الدولية واليونيسيف للتعرف الحقيقي لحجم الظاهرة وأشكالها.
– توفير الامكانيات للمجلس القومي للطفولة لتمكينه من تطوير آلياته وتدريب أطره وتكثيف إعلامه وعلاقاته العامة لتنفيذ المطلوب والمرغوب لقانون الطفل لسنة 2010 بالتنسيق مع شركائه من الوحدات الحكومية ذات الصلة ومنظمات المجتمع المدني.
الكاتب – الوكيل الأسبق لوزارة العمل