جرس التلفون.. والسلوك الحضاري..!

كثير من العادات في المجتمع والسلوكيات لدى بعض الناس توضح للعيان انها مازالت بعيدة عن طعم التحضر والتحدث ولعل أكبر هذه «المخالفات الاجتماعية» توجد بكثرة في اطار حماية البيئة التي تهم الانسان أولاً في صحته وتسوقه وتعليمه وحتى «اللغة المشتركة» بين الناس.. التحدث بهدوء وعدم اثارة الحواس المعروفة من بصر وسمع وتذوق وغيرها.. هذا ما جعل بعض المسؤولين في ولاية الخرطوم أن يصفوا «العاصمة» انها عبارة عن «قرية» لسلوك البعض الذي يخالف علامات التحضر..!
ليس بين يوم وليلة أن يكون كل «المجتمع» في درجة واحدة من التحضر لكن نريد «غرس» مفاهيم اجتماعية وثقافية واردة أو «نازحة» تساهم في انتقال الناس إلى سلوك غاية في «التحضر» في كل الاتجاهات الآداب العامة والأخلاق والصحة والتعليم وحماية البيئة بمعناها العام ضد التصحر العاطفي والشجري..!
ولأنها العاصمة القومية، نريد للخرطوم بمدنها أن تكون مثالاً ليس للمدن السودانية الأخرى بل لكل المدن الافريقية والعربية التي «تتفوق» في جمال البيئة الذي انعكس على السلوك المدني وترك «العادات القروية» هناك في «أماكنها»..!
والخرطوم التي واجهت ومازالت سيلا من النزوح لأسباب عدة منها البحث عن المعيشة الرغدة بعد سنوات من «صوت رصاص» المتمردين وان «سكت» فإن الخسارة كانت فادحة، اضافة إلى البحث عن العلاج أو انتظاراً للهجرة أو في حالات العدم يسألون الناس لأي سبب كان.. فهذه المدينة تعتبر «قبلة» للنازحين واللاجئين من دول أخرى وجدوا فيها «الأمن والسلام» والعيش على الأقل بهدوء دون «هجوم» من آخر..!
واختلط المجتمع «بضيوف» من البشر وتداخلت فيه القبيلة والعشيرة من كل الاتجاهات مما يضيف أعباء على ولاية الخرطوم.. ان العاصمة تفتح أبوابها بدون «بطاقة هوية» عن مكان العمل والسكن وإلى غيره من عوامل الاستقرار.. لذلك فمن المهم أن نشير إلى «انتشار» ظاهرة المباني العشوائية في مدن ولاية الخرطوم، قلب السودان وليس «غريباً» ان تستمر هذه الظاهرة مادام ان الأسباب المؤدية لذلك لازالت قائمة.. وبدون فرز كيمان فالظاهرة العشوائية أصبحت ليست في المباني بل في كل أسباب العمل والاستخدام الضار بصحة البيئة والأسواق إلى ذلك مما يعتبر «ظاهرة عشوائية» ضربت «جنبات المواطنين» من الحافلة إلى البص إلى المدارس إلى المراكز الصحية.. حتى ان أسلوب «سؤال الناس» الذين يطلبون مساعدات تغير ذلك.. وأصبح «صاحب العيون الحمر.. مفتول العضلات يوقف أي انسان ليطلب منه «حق المواصلات»..!!
ان الخرطوم وقد امتدت إلى كل الاتجاهات أفقياً لتستوعب الآلاف يومياً في جنباتها لا بد أن «توضع» سياسة «معلومة» توقف التدفق بالتعاون والتنسيق مع الولايات الأخرى ليس ضد وجودهم بقدر ما هو «تنظيم» أماكن السكن وايجاد العمل اللائق والمناسب، فالمئات والآلاف بدون عمل في «بيئة» ليس لانسان أن يعيش فيها لولا «حالة العدم» إلى ضرورة انشاء مجمعات طواريء لاصلاح مواقع السكن والاعاشة ليس «معسكرات» بل تحديد وتحديث بنظرة جديدة لظاهرة «السكن العشوائي» الذي يقوم بطريقة لا تشبه حياة الانسان الكريم..!
لا يمكن أن نقول «ان هذه عاصمة حضرية».. في كل بيئاتها تعاني ونحن «نستقبل» فصل الخريف وكل عام حينها تستغرق «المدينة» لسوء الاستعداد وضيق المصارف والمجاري المردومة بالتراب بفعل بعض البيئة التي تركها الانسان تتمدد إلى كل مكان وتتكرر نفس المشاهد السنوية في لحظة «رن الجرس» بالمعياد.. وغير ذلك كثير ومثير.. هناك «أحياء» قامت وصفوها بأنها درجة أولى لكنها تغرق وشوارعها لا تسمح بالمرور حتى «بالأرجل» فكيف الحال في مناطق أخرى درجة ثالثة وهناك الكثير من الأسواق والجوانب الأخري من مدارس ومواقف وغيرها..!
إذن.. أول ما نبعثه لأنفسنا وللمسؤولين عنا أن نعمل على «تطوير» امكاناتنا وبيئتنا ولغة التفاهم بيننا.. ان نكون بقدر الامكان «أكثر» تهذيباً في التعامل مع البيئة ما حولنا كله.. أن نسمع ونرى وأن نلمس الآخرين بتودد.. وأن «نسعى» إلى «عواصمنا» كلنا ليس الخرطوم وحدها.. أن ننتقل إلى الانطلاقة الحضارية وليس فقط عبر الهاتف الذي نحاول أن نتحدث عبره بايجاز وفن وذوق..!