الخيال الجديد

زوايا : عماد البليك

يعتبر الفيسبوك اليوم أضخم صحيفة إلكترونية على مستوى العالم، وهي فكرة ذكية وظفت مليارات الأشخاص دون مقابل وهم يعطون فكرهم ووقتهم وأحلامهم مقابل أن يشعروا بالسرور اللحظي؛ وفي المقابل فإن الشركة هي التي تكسب من ناحية مالية.
هذا الأسلوب بات إحدى سمات عصر»بعد/ ما بعد الحداثة» حيث تحقيق الفوائد المادية دون بذل جهد كبير إلا على المستوى الذهني وتحريك البداية مثل عمل الترس التلقائي، أي حفز مهارة الإبداع.
إن الإبداع في عصر التقنيات الجديدة، يعاد تعريفه، بحيث لم يعد ذلك الخط القديم/ الكلاسيكي الذي سمته التماثل في كل شيء أي النمطية والخطية في الخيارات بحثا عن الأفضل في تحقيق النتائج. إنه أمر مختلف يُعنى بما وراء المتحقق والمطلوب في حد ذاته. هو البحث عن اكتشاف ما خلف المكتشف. وهو هزّ لقيم الإبداع وفق المتعارف عليه في تراث متراكم للتجربة البشرية عبر القرون.
إن الناظر إلى التسارع الكوني في القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، يتحصل مباشرة على صورة ماثلة أن الإنسان وخلال أقل من مائة سنة حقق ما لم يحققه خلال عشرات القرون، وهو أمر يدعو للتساؤل مبدئيا ومن ثم الأسئلة حول الأسباب، وهذا أدى إلى تغيير الذهنيات والمفاهيم وتصورات المعرفة، وانعكس على مفهوم كالإبداع والخيال.
ثمة خيال إنساني جديد، سواء تجلى في الفيسبوك وتجربته الإعلامية المدهشة، أو غيره من وسائل التواصل الحديثة أو أفكار مثل لعبة البوكيمون التي تلاشت فيها المسافة بين الواقع والخيال وغيرها من التخييلات المبدعة التي تعني لنا أن الواقع صار معقدا جدا، وأن البحث عن الجديد ينطلق من تخييل عال ومختلف، يقوم على حدس كبير ومستشرف للأعماق. فداخل كل فكرة ومجال ومعرفة عمق لابد من سبره لاكتشاف أو استنطاق الجديد.
قديما كان الناس يتحدثون عن الموهبة، وهي ما زالت موجودة. غير أنها تظل بنتاً بكراً لفطرة تتطلب الاهتمام الكبير جدا. فالعبقرية بوصفها المعتاد صارت محل لبس هل هي حقيقة أم اصطناع؟ وما الذي تعنيه إذا كان بالإمكان لمزودات المعرفة الجديدة أن تتجاوز قدرات العقل البشري. بحيث يمكن للإنسان أن ينتج أفكارا غير مسبوقة أبداً وهو يستعين بالوسائل والآليات الحديثة المحيطة به. لا يعني ذلك أن الإبداع الجديد اصطناعي، إنما يعني أن الموهبة هي القدرة على أن تبني خيالاً جديداً، ولا يتم ذلك إلا بالمواكبة ومجابهة اللحظة التي تشهد مليارات التحولات والخيارات والخيالات.