وهج السيرة الذاتية قراءة في أنثى الأنهار 2- 2

*د. مصطفى محمد أحمد الصاوي

 وهل صحيح أن الآنا شعب بأكمله كما أشار أحد نقاد السير والمذكرات ولعل ذكره جورج ماي يحمل ما سبق بقوله: «النزوع إلى كتابة السيرة ربما كان أعلق بالظروف الثقافية والتاريخية منه بالخصائص الفردية»»22». وهل صحيح أن الآنا شعب بأكمله كما أشار أحد نقاد السير والمذكرات ولعل ذكره جورج ماي يحمل ما سبق بقوله: «النزوع إلى كتابة السيرة ربما كان أعلق بالظروف الثقافية والتاريخية منه بالخصائص الفردية»»22».1/ الحدود الزمنية «سيرة حياة/قصة حياة»:تأخذ السير الذاتية عند إشراقة بعداً تاريخياً عندما تضع عناوينها الداخلية على نحو نسق تراتبي تصاعدي المرحلة الثانوية، بدايات الوعي السياسي… ومن ثم مسيرة الوعي والطريق إلى المعرفة ونضالها لنيل الشهادة الثانوية «وقد كان، تحصلت على نتيجة موفقة بحمد الله 71% وبدأت رحلة الأحلام من نطفة المعرفة الأولى» وصولاً إلى العمل السياسي بالجامعة الإسلامية ، وهنا تحتشد السيرة بالأسماء والأعلام والصداقات الممتدة، ومُعاناتها داخل أسوار الجماعة «ومنذ حضوري للجامعة والوعي يميل …..» وفي ذات الصفحة «كن الزاد لمُجابهة الحصار الأول الذي عشته في الجامعة الإسلامية… ذاكرة الاستدعاءات ظلت تلاحقني… مرتان لعمادة الطلاب، مرة لمدير الجامعة.. مرات لاتحاد الطالبات، وما كان إحساسي بها سوى شكل من أشكال الإذلال والتهديد والوعيد» ، والكتابة في هذا السياق وما بعده حرصت على تأكيد صوتها «صوت الراوي/ الشخصية/ وحرصت على تأكيد صوتها وفي ذات الوقت حاولت جاهدة إبراز أصوات أخرى عديدة وأخريات وعلى الرغم من صوتها على مستوى السرد كان واضحاً وبارزاً إلا أن ثمة أصوات أخرى ضاعفت السرد السيري في كلياته .وتمضي الكاتبة في سردها السيري: الجامعة، سنوات التشرد، بائعي سندوشات+ الحب زمن الانقلابات «الحب الثائر كان في زمن الانقلابات، في زمن رجل ريفي يصدح بالصدق ووسامة الفكرة. قال قلبي، إنه هو منذ أن التقيته أول مرة في آخر مرة غنى فيها مصطفى سيد أحمد في المسرح الخلفي في قاعة الصداقة، ومن المحطات الرئيسة في سيرتها فصل «عبد المجيد منصور… نفاج النمسا للبت الفقيرة» «لا شيء سوى أزيز الطائرة يقترب من الأرض الغربية الأرض التي سيعرف دانوبها حكايتنا» وكأنها شهرزاد معلنة أن للحكاية بقية.2/  المكان:يعُد المكان في السيرة الذاتية «رمزاً لحياة البشر، يجسد الغربة والملل والضيق والمفارقة والعبور المؤقت، ويؤثر على مفهوم الزمن، فيعكس اضطرابه بين الديمومة واليومي، بين السطحي والعميق بين الوهم والحقيقة» ففي سيرة إشراقة تتواتر أمكنة متنوعة بأحوالها، وتفاصيلها منها كوستي «المدينة التي سمعت صرختي الأولى والتي ما إن أذكرها حتى تصطف مدن الحنين في تظاهرة حزن، ودموع الوداع تملأ عيني» ، ترتبط المدينة بنستالجيا الحنين ويحملها الحنين إلى ذاكرة للطفولة البيت بمفهوم باشلار «تتراص بيوتنا في حميمة وصمود غريب… الحيط متهالكة تسند بعضها بعضاً وتتراص نحن صباحاً في تُكُل ليس فيه ما ينبي بأنه سيقرر على «تَكل» أجسادنا…. في الغرفة الأمامية ذات الطوب الأحمر الذي يشير عادة إلى وضع ومكانة أفضل يكون الجد عبد الرحمن ساجداً يتلو ما تيسر له من القرآن الكريم» فالمكانية حاضرة في النص، وبالعمق بدليل أسماء الأماكن، والإشارة إليها وما تم بها من تفاعل واختلاط وأحداث بين الشخصية «أشراقة والآخرين»، داخليات، عمادة الطلاب، العمارة الكويتية، وتبقى كوستي مدينتها المحبوبة بارتباط الكاتبة الروحي والفكري «بدايات الوعي وتشكله «في كوستى المدينة تمخض عنها طمي روحي» وفي موضع ثانٍ «كوستى التي لا تنام- دوماً صاحية وشادية في روحي… كانت وظلت المهرة التي لها، وبها عرفت أن أغنى أول أغنياتي للحياة» ، تجسد بلغتها التي تفيض بالحنين للمكان أهميتها في السرد السيري والمدينة من منحى آخر جسدت البطولة والانتماء بـ «ناسها الحنان، وصوتها العالي بالمحبة… هي مُناجاتي اليومية» لتشير إلى السكة الحديد والعمال واللهجات، وإيقاع التمتم عبر ذاكرة استقصائية بل إلى ذاكرة المدينة ذاتها في أشارتها إلى عنبر جودة «الفضيحة التاريخية التي راح ضحيتها أرواح  بالاختناق كانت جريرتهم أنهم تجمعوا للمطالبة بحقوقهم» ، وبفعل هذا التركيز على مدينة كوستي أتيح لها الكشف عن طفولتها وصباها وعلاقاتها مع الآخرين، وبنيتها الأسرية اضافة إلى تشكل وعيها «حين تكون وعي قبل انفجاره لأعرف حجم المأساة… يبدو لي أن نواة وعي تفتقت في تلك القاطرة وما زال الشيخان يسردان بأسى بالغ طفح في تجاعيد السنين على وجيههما عن عنبر جودة» ، يلاحظ أن الحكي في هذا النص لم يكن فقط سرداً «عن الذات أو أنه مجرد اعتراف أو سرد لأسرار ولكن الشكل الفني الذي يتخذه الحكي»»25» مما أعطي قابلية للتلقي «صوت المضيفة ينتزعني من كل هذا الدفء والحزن، والألم والعبرات وهي تنبه بأن الطائرة ستهبط بعد قليل على مطار فيينا الدولي: أربطوا الأحزمة بالكاد أفتح عيوني المُنتفخة بالبكاء» وكأن الأمر أشبه بعود إلى بدء حيث اعتمدت تقنية «الفلاش باك» وبين مغادرتها، صالة المطار، صعود الطائرة وتتداعى ذكرياتي وأحداث حياتها وفزعها من المغامرة «الطائرة غول» ثم صوت المضيفة يعلن الوصول لمطار فيينا حيث منفاها الاختياري إذن هي تصل النهايات بالبدايات اعتماد على الفلاش باك، وانسيال الذكريات، واستدعاء الأمكنة والشخصيات.وعلى النمط الدائري وهذه السيرة على الرغم من اعتمادها على تقنيات السرد الروائي إلا أن السيرة الذاتية في جوهرها «فن زماني مكاني، يقف خارج القسمة التقليدية للفنون إلى فنون زمنية وأخرى مكانية وهو بذلك يعكس تفرداً للنوع بقدر ما يعلن تقويضاً للتقسيم ذاته»»26» ويبدو أن الكاتبة على هذا النسق شكلت «النهاية» بغرض تبنيها في «أفق بدايات مرجأة ومتجددة، ذلك أن البدايات والنهايات تؤكد أن النمط من السيرة الذاتية هو تخليد للماضي عبر كتابته، وأن النمط الثاني تخليد للكتابة عبر تسريد الماضي ونثره»»27».9/ السرد السيري الذاتي ثنائية الآنا/ الآخر:إن ما سردته أشراقه في مجملة لا يتصور على «أنه فردي محض، بل يربط البعد الفردي والجماعي ربطاً مُحكَماً ليس فقط ذلك المفرد المهوس بذاتيته الفردية»»28» ، فهي سعت لإبراز تجربتها الفردية بين أدوار عديدة، وتعالقت مع آخرين ولم تسع لتمجيد ذاتها بقدر ما سعت لإبراز قصة نجاحها، وما كابدته من معاناة وتجاوزها لكل ما مر بها من محن ، فمن الصعوبة بمكان أن «نكتب شيئاً خارج الذات»، من ناحية أخرى أظهرت عن فضاء سيرتها نشاطاً سياسياً واسعاً إبان المرحلة الثانوية والجامعية وهذا النشاط ارتبط بالعديد من الشخصيات، وارتبط كذلك بالعمل الجماعي فهي ومن انتمت إليهم كانوا «يدافعون عن أنفسهم والدفاع من أقوى عناصر الترجمة الذاتية، وأعظم الحوافز على كتابتها، وغايتهم  هي تصوير عالمهم الخاص، وتبرير أرائهم الشخصية أو مذهبهم ومبادئهم»»29».وهكذا ربطت الكاتبة البعد الفردي بالبعد الجماعي، ووازنت بين صوتها كفاعلة أساسية في النص، وصوت الآخرين وابتعدت بقدر معقول عن تمجيد الذات، والتمري في الذات.10/ خاتمة:عودة إلى بدء تخلص هذه الورقة إلى:«أ/» تمثل هذه السيرة إضافة نوعية للتراكم السيري النسوي بالسودان من لدن فاطمة محمد إبراهيم، وخديجة صفوت ورجاء حسن خليفة، ومحاسن جيلاني، وحياة عبد الكريم محمد طه، ففاطمة أحمد إبراهيم كتبت قصة حياتها معولة على النشأة والتعويل على النضال، وكذلك فعلت رجاء حسن خليفة ومحاسن جيلاني، وكتبت خديجة صفوت في إطار أدب الرحلات، وعولت حياة عبد الكريم على كتابة مذكراتها في مجال التربية والتعليم ، وجلهن اهتممن أكثر بالعام لكن هذه السيرة «أنثى الأنهار» كتبت بشجاعة، وجرأة، وفيها بوح وإضاءة لمعالم الذات.«ب/» عُنيت بإبراز العقد السيري بشكل واضح، كما حددت دوافعها العاطفية والعقلية.«ج/» يلاحظ في النص تقنيات سردية «الفلاش باك»، وبروز صوت الكاتبة في تناسق مع أصوات الآخرين، واحتشاد نصها بالشخصيات ذات الصلة بعالمها السيري، والتعويل على إبراز بنيتها الأسرية والصراع الخفي داخلها في مباركة زواج والدها من أخرى ورفضه في آن ومحكي الطفولة – على قصره- ساعد على إنتاج نص سيري تضمن أهم محطات حياتها.«د/» وظفت ذاكرة استقصائية استعادت بها الأمكنة، والشخصيات، والتفاصيل شديدة الخصوصية في حياته وحياة الآخرين وارتبط بكل ذلك تناغم الفردي والجماعي.«هـ /» أشارت النهاية التي الحقتها فنياً بالبداية «عمل دائري» أن ثمة جزءاً ثانياً  يتصل بالمهجر كما أن العمل تضمن أبعاداً نسوية تبدأ بالعنوان وتتسرب بين تضاعيف النص.———-هوامش:1/ ينظر فيليب لوجون، السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، المركز الثقافي بيروت 1994م  2/ تيتز روكي، في طفولتي: دراسة في السيرة الذاتية العربية، ترجمة طلعت الشايب، ط1، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002، ص 96.3/ نفسه 98.4/ ينظر فيليب لوجون، السيرة الذاتية والميثاق والتاريخ الأدبي «الفصل الأول».5/ ينظر رفيق رضا صيداوي: السيرة الذاتية وتداخل المروي والمسكوت عنه: قراءة في ثلاث سير نسائية، باحثان، الكتاب الحادي عشرة 2005- 2006 بالمركز الثقافي بيروت ص 143 6. OLNEY, Autobiography: Essays the vertical and article, p.37/ توماس كليرك، الكتابات الذاتية، المفهوم، التاريخ، الوظائف والأشكال، ترجمة محمود عبد الغني، دار أزمنة الأردن، ص19 8/ إشراقة مصطفى حامد أنثى الأنهار ص 4 9/ سابق ص 6.10/ سابق ص 7.11/ نفسه12/ نفسه.13/ إشراقة حامد، أنثى الأنهار ص 9 14/ جورج ماي، السيرة الذاتية، ترجمة محمد القاضي، وعبد الله صوله، قرطاج تونس، دار الحكمة 1999، ص40 15/ أمل التميمي: السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي بيروت 2005، ص13 16/ جورج ماي: السيرة الذاتية، ص 219  17/ عمر حلي: البوح والكتابة دراسة في السيرة الذاتية في الأدب العربي، منشورات مجموعة البحث العلمي الأكاديمي في الأدب الشخصي ط1، 1981، ص 219 18/ ينظر عثمان الميلود، محكي الطفولة «موقع دروب الالكتروني»:http: //www doroob.com/? p= 5531. 19.20. Mary gason, the other voice, in Olney, James ed. Autobiography: Essays theoretical and criticat, prince university pres, 1980 p.21021. Edward said, the world, the text, and the critic. London: virago. 21/ ينظر، بطرس الحلاق، السيرة الذاتية وتعدد الأصوات، فصول مجلة النقد الأدبي «مصرية» مج 17/14 صيف 1998 ص 26 22/ جورج ماي، السيرة الذاتية ص 13 23/ ينظر: أونلي ص 3 24/ ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، أتحاد الكُتاب العرب، دمشق 200، ص 42 25/ أمل التميمي: السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي بيروت 2005، ص 132 26/ صلاح صلاح، قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر، دار شرقيات 1997، ص 20 27/ ينظر عمر حلي «البوح والكتابة دراسة في السيرة الذاتية في الأدب العربي، منشورات: مجموعة البحث الأكاديمي في الأدب الشخصي، ط1، 1998، ص 223 28/ بطرس الحلاق وتعدد الأصوات، سابق فصول مج 7، ص 76 29/ إبراهيم عبد الدائم، الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2003، ص 94
* ناقد وأستاذ جامعي