الفنون التشكيلية في السودان… تقاطعات عربية وإفريقية

*فاطمة بن محمود
مدخل:
* نشر هذا المقال بجريدة الفنون الكويتية في عددها الصادر مؤخرا وقد خصت كاتبة المقال الملف الثقافي بنشره بالسودان لتعميم الفائدة وللتعرفة علي قراءة آخري للفنون التشكيلية السودانية من منظور غير سوداني … وكانت الكاتبة قد زارت السودان العام الماضي وزارت كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا والتقت عميدها الدكتور ابوبكر الهادي.
————-
يعتبر السودان ملتقى الثقافات يمتد عمقها إلى إفريقيا مهد الحضارات و تنفتح على الثقافة العربية التي لها خصوصيتها وهذا ما جعل السودان يحتوي على عمق ثقافي و تنوّع جمالي يلفت انتباه الزائر ينعكس في الشخصية السودانية التي تبدو منفتحة على الآخر ومتسامحة مع المختلف كما ينعكس في المطبخ السوداني اللذيذ والمتنوع ويتمظهر خاصة في الفنون.
لا يمكن لهذه الألوان المشرقة التي يبدو عليها الثوب السوداني و لا هذه الابتسامة العفوية للناس البسطاء إلا أن تعبّر عن عمق هذا الشعب وأصالته وإذا كان الأدب يشترط حدا أدنى من التعلّم والقدرة على القراءة و الكتابة ليعبر عن عمق السودان فان الفنون لا تحتاج ذلك للتعبير مثل الغناء و الموسيقى والرقص..
أما الفنون التشكيلية فإنها تحتاج الموهبة الفطرية والتعلم لتكون أفضل من يجسّد العمق السوداني و يعبّر عنه من هذا المنطلق كانت الحاجة إلى كلية للفنون الجميلة والتطبيقية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
في هذه الكلية الفنون يحاول الطلبة السودانيون أن يقرأوا تراثهم الفني و يحولونه من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل و من وضعه الخام كاحساس قوي بالجمال يسكن كل واحد فيهم إلى لوحة تشكيلية ومنحوتات مجسّمة ولوحة فسيفساء ورسم جداري أو تخطيط على القماش..
معمارية الكلية خلت من البهرج وأذعنت لخصوصيتها بماهي بحث في العمق الجمالي فكانت بسيطة في هندستها لكنها جميلة في معمارها لا يوجد بها قاعات درس مغلقة بقدر ماهي مجموعة من الورش المختصة بكل أنواع الفنون من التشكيل إلى النحت إلى الفسيفساء إلى الخزف إلى الطباعة الفنية .. الخ. لذلك يبدو ان المقرر الدراسي مصاغ تحت شعار واحد للطلبة « اخرجوا المهارات التي تسكنكم، ابحثوا عن ذواتكم في التعبيرات الفنية، التقطوا الجمال المبعثر في الحياة.. «
قال لي الفنان أبو بكر الهادي أحمد عميد الكلية انهم ينظمون ورشاً في القرى و الأرياف من خلال رحلات لا تخضع إلى برمجة محددة و كلمة السر الوحيدة فيها «كن عين لاقطة لصور الحياة المختلفة من حولك» . لذلك اعتقد ان الكلية تؤسس لقيمة العمل الفني الذي لا يتحدد باسم صاحبه بقدر ما يتحدد بعمقه الجمالي و لذلك تميز الطالب الفنان لا يكتسبه عفويا بل يأتي كمكافأة له عن التزامه بالعمق الثقافي لبيئته لهذا لا تتفاجأ إن كانت الأعمال الفنية لطلبة الكلية مرتبطة كثيرا بالبيئة السودانية ومناخاتها الافريقية وهو ما يجعلها على قدر كبير من الجمال و العمق الثقافي.
بهجة الألوان، سر الحياة :
يلتقط البصر ألوانا مختلفة وبدرجات متعددة في اللوحات التشكيلية كما في الجداريات الفسيفسائية تحاكي جميعها ما يراه الفنان في الطبيعة الخلابة من حوله إذا ما شيّع بصره في السهول الممتدة التي تشقها الأنهار و تحيط بها الأشجار و في «الثُوب السوداني» متعدد الألوان.. لذلك تأتي هذه الألوان صاخبة تضجّ بالحياة ومختلفة تعكس ثراء البيئة ترتسم كل الألوان على اختلافها الغامق بجانب الفاتح في خطوط مستقيمة وأخرى منكسرة في تصالح تام يعبّر عن روح السودان لذلك لا تتفاجأ قريبا من المسجد ستجد الكنيسة و قد يمتزج صوت الآذان بنقرات الجرس وفي كل ذلك ستعترضك ابتسامة ودودة من هنا و هناك..
يبدو ان الانسان الافريقي يسكنه شغف بالألوان والخطوط وان لم يجد ما يرسم عليه فانه يرسم على جسده على شجرة على صخرة وعندما تحدده بتقنية معينة فانه يظل مرتبطا بذاته و ببيئته و يرسم من ذاكرته و مما سكن أعماقه من قديم الزمان. جميعنا نعلم ان الحروفية الإسلامية تعتمد لرسم لوحات فنية تعبر عن مضامين دينية و روحية تتشكّل خاصة في الزخرفة التي لها أبعاد فلسفية، لكن ما يضيفه الطلبة هنا في كلية الفنون الجميلة هو اعتماد الحروفية الإسلامية للتعبير عن ذواتهم المسكونة بالطبيعة لالتقاط مشاهد من بيئتهم يرسمون من خلالها حيوانات افريقية مثل الفيل وفرس البحر ومشاهد من الحياة اليومية الإفريقية مثل امرأة تعدّ الطعام او رجل يستريح على ضفاف النيل.
ما لفت انتباهي انهم يذهبون أكثر من هذا ويعتمدون الحروف اللاتينية لرسم الطبيعة الإفريقية الخلابة وخاصة حيواناتها البرية. كأن الفنان السوداني لا تلزمه الحدود الفنية فهي بالنسبة إليه وجدت لتخترق وكأنه لا يؤمن بالتخصص الفني فليست الحروفية الإسلامية لديه محتكرة في المنمنمات و في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كما يمكن أن يحول الحروف اللاتينية إلى حروفية فنية .
لفت انتباهي في نوافذ إحدى قاعات الدروس رسوم على زجاج ملوّن يحيل المشاهد إلى أجواء كنسية لكن الطلبة هنا استعانوا بهذه التقنية ليقدموا صورا من الحياة اليومية السودانية وأخرى لبورتريهات ذات ملامح محلية بحيث ان الضوء الساطع على النوافذ يجعل من تلك الرسوم مضيئة.
معرض دائم:
في حديقة الكلية يوجد معرض دائم لمنحوتات مختلفة تجسد مشاهد من الحياة اليومية امرأة تعدّ الطعام وابنها على ظهرها، طفل بدهشة كبيرة يتأمل الطلبة يمرون به ولا يتعب، رجل هدّه التعب فاستلقى تحت شجرة وكأن إغفاءة نوم أخذته فلا يحب أن يستفيق، إلى جانب مجموعة من الحيوانات تمساح هنا يفتح فمه يهدد من يقترب منه، كنغر يتأهب للقفز ..
كل هذه المنحوتات التي قدت من المعادن و الصخور تجبرك على التساؤل من أي طين عجنت موهبة هؤلاء الطلبة ؟ كيف ينطقون الصخر بكل هذه الأحاسيس وكيف يحوّلون المعادن إلى كتلة من المشاعر ؟
أفسر ان الإفريقي عموما و السوداني تحديدا ينشأ على ثراء ثقافي بأصوله الإفريقية وانفتاحه العربي يجعل منه تجربة فريدة يحوّل كل تناقضاته إلى ثراء، فالطبول الإفريقية التي يرتد صداها في داخله والتراتيل الدينية بإسلاميتها و مسيحيتها التي تملأ قلبه والحيوانات البرية التي تحيط به وهذا الامتداد الجغرافي الفسيح لا يمكن إلا أن تصنع منه مادة متفردة و تجعله فنانا مختلفا بالضرورة.
اللوحات التشكيلية تنفتح على مدارس فنية متنوعة منها الكلاسيكية والواقعية والسريالية والتكعيبية باعتماد كل التقنيات من الزيتي إلى المائي والباستيل وغيرها ولعل اشد ما لفت انتباهي تصوير فن البورتريه الذي يشترط ملكة خاصة جدا. في إحدى القاعات كانت ثمة مجموعة من البورتريهات التي تكاد تنطق جميعها لطالبة فنانة لها موهبة فريدة في اقتناص ملامح الناس من حولها و رسمها لوجوه مختلفة خائفة أو سعيدة أو مرتبكة أو حزينة أو مندهشة أو منكسرة ..
هذه الطالبة الفنانة المُنقّبة اختارت أن تغطي وجهها ولكن في لوحاتها تتقمص كل الوجوه وترتدي كل ملامحها.
سألت العميد الفنان أبو بكر الهادي « ماهو مقياس قبول الطلبة « فقال « المقياس المحدد لدخول الطلبة للكلية ليس هو المعدل على أهميته بل اعتماد اختبارات فنية تمتحن فيها مواهب الطلبة».
السؤال الحائر:
كلية الفنون الجميلة و التطبيقية في الخرطوم عالم من الألوان و الأشكال والمنحوتات التي تضج بالحياة وتقول السودان بمختلف الحضارات التي عاشها وبتعدد الثقافات التي يمثلها و لعل ما يحيرني فعلا كيف ان بلاد تملك هذه الثروة من المواهب الفنية في حين تخلو شوارع الخرطوم من منحوتات كبيرة تعكس خصوصية السودان، فلا أذكر اني مررت في شوارعها وفي ساحاتها بتحفة فنية تمثل إشارة دالة على هذا العمق الفني وهذا الثراء الثقافي.
*كاتبة تونسية – رئيس رابطة الاديبات المغاربيات