الفاعلية في الفكر وليست في ثقافة الاجتماعات

 >   شاركت في إجتماعات عديدة ، وإستمعت لأولئك الذين يتحدثون حول الموضوع المطروح ، إما متداخلون ، أو مقدمون لأوراق ومشروعات .
>   ومن الملاحظات التي وقفت عليها ، بأننا إبتلينا أخيراً بكوادر لا تملك سوي المفردات والحصيلة التي تتوفر لديهم من الإجتماعات ، والمنهج الذي يتبع فيها ، دون أن تحوي إفاداتهم فكراً رصيناً ، ومرجعيات ذات موثوقية تصلح ليبني عليها رأي ، أو يتخذ قرار .
>   ويعتقد البعض بأن الثرثرة ، والقدرة علي الحديث بمهارة ، هو المطلوب ، بينما أن المهارة لا معني لها إن لم تكن تدور حول مغزي ومعني ، ومن ورائها يكمن فكر مقروء ، وإستيعاب لمضمون .
>   فقديماً كان الطلاب بالمدارس الوسطي والثانوية ، ينكبون علي الكتب والمراجع ، ويطلعون علي أمهات المؤلفات ، خاصة أولئك الذين إرتضوا لأنفسهم أن يكونوا من ضمن جماعة فكرية ، أو تنظيمات ثقافية ، وذلك ليحصنوا أنفسهم ، ولا تكون مرافعاتهم لما أعتقدوا به ثرثرة فارغة ، أو زوبعة في فنجان .
>   ونلاحظ كذلك بأن طلاب هذا الزمان ، قد كرسوا كل جهدهم لمعرفة مهارات حل الإمتحانات ، والطرائق التي من خلالها يتفوقون علي أقرانهم ، دونما أدني إهتمام بحصد المعلومات ، وتوسيع مواعين الثقافة والمعارف لديهم ، الأمر الذي أحدث إنقلاباً في نتائج الإمتحانات وخاصة التي تتصل بالشهادة السودانية .
>   فالذي كان يحرز المركز الأول فيها أثناء السنوات الستين والسبعين وحتي بداية الثمانينات من القرن الماضي لم يكن يحرز حتي النسبة التي تتجاوز الثمانين بالمائة ، علماً بأن الذي يتفوق آنذاك ، إن إختبرته وإستمعت إليه ، لوجدته ليس أقل من موسوعة في الفكر والإحاطة بثقافة متنوعة ، جامعاً ومانعاً ، ولا تصفه إلا بأنه جمع فأوعى .
>   وأذكر بأن هناك طالباً قد حقق النسبة المئوية في إمتحانات الشهادة السودانية في الأعوام السبعين ولم تتجاوز نسبته ال75% وعند المقارنة بينه وبين أولئك الذين يقتربون من تحقيق نسبة 100% في وقتنا الحاضر ، لأندهشت بين نسبةٍ ونسبةٍ ، ولأصابتك الحيرة عندما تسقط معايير العلم والمعرفة علي تلك النسب ، حيث ينال علم في رأسه نار نسبة أقل بكثير من طلابٍ لجيل لم يقرأ ، ولم يطلع ، وإنما كل الذي بذله ، بأنه تعرف علي الوسيلة التي بموجبها كيف تؤكل الكتف ، وأصبح الامر لا علاقة له بالعلوم والمعارف ، بقدر ما أنه مهارة وإن كان صاحبها فقيراً في فكره ، ومتواضعاً في ثقافته ، مما يثبت بأن المهارة قد تكون خداعاً ، وقد تكون مسنودة بالرصيد الثر ، والمعرفة الواسعة وفرق شاسع بين هيكل ملفت للأنظار لكنه فارغ المحتوي ، وآخر مليء بالدرر ، والجواهر ، وأثمن وأغلي وأقيم أنواع الأثاث .
>   والإجتماعات التي أصبحت تمثل ثقافة بما يتم التداول فيها ، وإرتكن إليها من يروم معرفة ، أو يتسلح بمعلومة لقيادة دولة وإصلاح مجتمع ، من المؤكد بأنها ستنتج لنا جيلاً يرتمي علي الثرثرة ، وعبارات الأخذ والرد ، تاركاً ثمرات المطابع وراءه ، ومكتفياً بما يستمع إليه كالذي يقيم بنيانه علي شفا جرف هارٍ فانهار من أول فحص وبمجرد الإختبار.
>   وثقافة الإجتماعات ، ليست هي التي تبني أمة ، أو تنشيء دولة ، وإنما ينبغي أن يكون النصح والتوجيه لأولئك الذين يجتمعون وينفضون من إجتماع إلي إجتماع أن يسلحوا أنفسهم بالقراءات الكثيفة ، والأفكار العظيمة ، والمعارف المتاحة في بطون الكتب ، وما تفضل به المؤلفون الذين غاصوا في محيطات الحقيقة ، وبحثوا في كيفية إصابة سنام النجاح .
>   وعندما يجتمع نفر لمناقشة أمرٍ هام ، ومشروع عظيم ، وأسس لتشكيل تنظيم قادرٍ علي التغيير ، وإحداث النهضة المأمولة ، لا يعقل أن يكون هؤلاء قد قرروا الخوض في شأن بكلمات مجردة ، أو مهارات بهلوانية ، فهناك الذي يجيد التمثيل لكنه ليس الشخص الذي ألّف النص ، وأحكم قصته بالسيناريوهات الفاعلة .
>   وإننا لسنا علي إستعداد لنستمع لطحنٍ وقعقعة دون أن نرى طحيناً ، أو عجيناً .