لكل مقام صيوان! الخيامية أنامل تصنع لنا مساحات للأفراح و الأتراح

لا تخلو منه أي مناسبة سواء كانت عامة أو خاصة.. فرحاً كانت أم ترحاً.. يشكل أول الحضور وأهمهم، وأيضاً آخر المنصرفين. إنه «الصيوان» أو الخيمة!! ذلك البناء مختلف الأشكال والألوان المصنوع من القماش المزخرف ذي الألوان المميزة.. وقد يعزى إقبال الناس عليه وتمسكهم به لفعاليته واتسامه بالعملية، فهو سهل التركيب والتجميع والفك والنقل من مكان لآخر بالإضافة لقلة تكلفته مما جعله قاسماً مشتركاً بين كل المناسبات.
«1»
كلمة «خيامية» تعني صناعة الأقمشة الملونة التي تستخدم في صناعة السرادق، ومفردها «خيام» وهي كلمة تحيلنا الى الشاعر الكبير عمر الخيام، صاحب «رباعيات الخيام» التي ترجمت الى اغلب اللغات الحية، بل زاد عدد ترجماتها الى اللغة العربية عن الخمسين!! وقد تغنت ام كلثوم ببعضض من ابياتها من ترجمة احمد رامي..
فحرفة الخيامية تعتبر من الحرف القديمة حيث تعود للعصر الفرعوني.. ويرى ذلك بوضوح في بعض الملابس الفرعونية المزخرفة بشرائط مضافة عن طريق التطريز مثل رداء «توت عنخ آمون» الموجود بالمتحف المصري، ثم استمرت في العهد اليوناني والروماني، واستمر الأقباط يعملون بالحرفة تحت الحكم العربي أيضاً.
ويحكي المؤرخون ان صناعة الخيام قد بلغت رقياً كبيراً قبل الفتح العربي في البادية والحضر، على حد سواء، وظهرت كساوي الأضرحة المطرزة بكتابات «لا إله إلا الله» كذلك المعلقات الحائطية وأيضاً المفارش والستائر ذات الزخارف الدقيقة المنفذة بطريقة الإضافة.. وكان العصر المملوكي هو قمة الازدهار لحرفة الخيامية في ظل تسابق الأمراء والسلاطين على اقتناء كل ما هو غالٍ ونفيس.
«2»
بغض النظر عن تاريخ بدء هذا الفن تعتبر المهنة من أدق المهن التي تبرز موهبة صاحبها، اذ تتطلب ان تتوفر فيها مجموعة من الصفات أهمها الصبر على العمل اليدوي حتى تخرج بلا أخطاء، فإن لم تكن موهوباً فإنك ستفشل حتماً في احتراف هذه المهنة التي تعتمد كلية على الموهبة والإتقان.. وقديماً كان يتم اعتماد «الخيّام» في طائفة الخيامين عن طريق اجتماع الطائفة برئاسة شيخها لمعرفة الأعمال التي قام بها وتقييمها فإذا كانت بالمستوى المطلوب يتم اعتماده ويقام له احتفال بمناسبة انضمامه للمهنة.. أما حالياً فدخول المهنة يتم بصورة تلقائية بعد تعلمها والاستمرار فيها فترة لاكتساب الخبرة اللازمة.
وقد دخلت تلك المهنة السودان منذ عهد الإنجليز وتطورت يوماً بعد آخر تبعاً لتطور الحياة وأساليبها.
«3»
على ايقاع ماكينات الخياطة ورائحة الأقمشة المختلفة وألوانها التي تملأ المكامن صخباً لونياً ملفتاً وأكوام من الحبال والخيوط بأحجامها وألوانها دخلنا المكان ونحن نتساءل: هل من السهولة ان تتحول كتلة من القماش الى بناء جميل اللون والمنظر؟!
أبوبكر إبراهيم صاحب محل تفصيل صيوانات ومظلات وخيم أجابنا قائلاً: نعم وأسهل مما تتصورون، فأنا ورثت المهنة عن أبي وتعلمت أسرارها ومارستها سنين عديدة. في البداية كانا نستورد الخيام الجاهزة ومستلزماتها من مصر ولكن بعد فترة أصبحنا نتخصص في تصميمها هنا بالأشكال التي ترونها والتي نستخدم فهيا أنواعاً مختلفة من الأقمشة والخامات فبعضها يأتينا من مصر والصين وسوريا، وهنالك أيضاً مصانع تصنع خامات محلية جيدة ومرغوبة..
والأشكال المتعددة للخيم تكون عادة رغبة الزبون ومواصفاته التي يطلبها، إلا ان ذلك لا يمنع ان تكون هناك لمسات فنية وأسرار أخرى نضفيها نحن، ولكل صاحب محل بصمته الخاصة التي تميزه عن الآخر، كما اننا نصمم أشياء أخرى غير الخيم كالأغطية التي تخص البضائع والخيم التي يستعملها العرب الرحل والمفارش الأرضية والمشمعات.. مستدركاً: هناك خيم خاصة للأفراح وأخرى للمآتم، وقد كانت خيم الأفراح تصنع من الساتان إلا ان الملاحظ ان البعض صار يطلبها للمآتم وربما يعود الأمر لطلب الفخامة والوجاهة الاجتماعية وربما للتميز ولفت الانتباه.