لُفَّتْ شموس الفضل في أكفانـه البروفسير ابراهيم أحمد الحاردلو .. حليل شيخ العرب اللى العلوم دراس

بقلم
عبد الله أحمد الأدروب
انتقل الى رحمة مولاه العالم الجليل والأديب الأريب صاحب التقى والورع شيخ العرب استاذ اللغة العربية وآدابها وأستاذ اللغة العبرية وعميد كلية الآداب بجامعة الخرطوم سابقا البروفسير ابراهيم أحمد الحاردلو بعد عمر نذره للعلم والتعليم والكتابة والتأليف في شتى ضروب المعرفة. كان رحمه الله يمثل صفوة جيل من المتعلمين والمثقفين السودانيين الذين منحوا جامعة الخرطوم عصارة جهدهم وفكرهم ووقتهم وقدموا مثالا طيبا لشرف الأستاذية وسمو الأخلاق فأحبهم طلابهم وحملوهم في وجدانهم.
«1»
رحل إبراهيم وترك في أنفسنا ذلك الحزن النبيل ونحن نردد رثاء جده الحاردلو لأحد كبار القبيلة:
يا طيرا تطير سلم على القافات
قول ليهن أبو فاطنة المنفل مات
الموت مو بدعة ما يفرحو الشمات
قبالك رسول الله المكرم مات
رحل إبراهيم وترك بمنزله العامر بحي الرياض بالخرطوم أبناءه وبناته وأحفاده وجميعهم يعكسون تلك التربية الراقية والرفيعة وقد أغدق عليهم رحمه الله من فيض أبوته وعطفه ورعايته واهتم بتعليمهم وتربيتهم. فتركهم أسرة متماسكة متحابة يهشون في وجوه أهلهم وضيوفهم ويستقبلونهم بحرارة وكرم شيوخ العرب ولطف أبناء الحضر، كما تحتضن داره خزانة كتب ضخمة حوت كتبا ومؤلفات في شتى ضروب المعرفة وكتاباته ومؤلفاته والعديد من رسائل الماجستير والدكتوراة التي أشرف عليها من داخل وخارج السودان.
«2»
ظل إبراهيم يمثل لكل من يعرفه رمزا جميلا لأناقة المظهر وتهذيب النفس والتقى والورع ، وكان قريبا من والده الذي قعد به الكبر فكان يجلس بجانبه يتلو عليه ماتيسر من القرآن، وقد أخبرني أن والده كثيرا ما يطلب منه أن يردد على مسسمعه هذه الآيات من سورة يونس:
«إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «24»».
كنا نسمع أمهاتنا ينادين المرحوم باسم « إبراهيم قلاب البضائع» وعلمنا أن هذه التسمية تيمنا بإبراهيم ود أحمد ود أبو سن الذي اشتهر بالكرم والشجاعة، وقد مدحه الشاعر «ود أب شوارب الفادني» الذي كان إبراهيم يجزل له العطاء، وكان فقيدنا رحمه الله يدرك هذه المعاني ويتمثلها:
وخرتو امتثال صاحبي المتمم كيفي
إبراهيم ثبات عقلي ودرقتي وسيفي
مطمورة غلاي مونة خريفي وصيفي
وسترة حالي في جاري ونساي وضيفي.
لو منان ولو شكاي
وللمتهشكب العادم المشاش عكاي
صافي حليب نقيعا مو رغى وبافاي
فكورا للتشكره وللتلوم نفاي
«3»
ارتبطت لندن في وجدان أهلنا بالدكتور ابراهيم الحاردلو حين كان مبتعثا من جامعة الخرطوم للتحضير لرسائله العلمية . كان يأتي في عطلاته يحدث أهلنا عن لندن وحب أهلها للقراءة والنظام واحترام الوقت وسرعة ايقاع الحياة هناك. فكانوا ينصتون بانبهار واعجاب شديدين لهذا الرجل الذي جمع بين أرفع الثقافات والدرجات العلمية وما يمثله أمامهم من من كاريزما وشهامة وأصالة شيوخ العرب.
كان كثير القراءة والاطلاع ، وما كنا نزوره بمنزله بالخرطوم الا ونجد كتابا بين يديه وهو غارق في قراءته وكثيرا ما يحدثنا عما يقرأ وعن متعة القراءة والاطلاع.
«4»
لم تكن الخرطوم مدينة أحسسنا فيها بالغربة والضياع حيث كان بها كوكبة من الرجال الذين شغلوا أرفع المناصب في الدولة من بين أساتذة في الجامعات واعلاميين أفذاذ وضباط مجالس ، فكان هناك البروفسير: ابراهيم الحاردلو وعدلان الحاردلو ومحمد الهادي أبوسن واحمد ابراهيم أبو سن وابراهيم يوسف وأبو عاقلة يوسف وعبد الله الحاردلو وعمرعبد الله الهد. كانت دور هؤلاء الرجال مقصد كل من يأتي من البطانة أو رفاعة أو القضارف. تعلمنا من هؤلاء الأماجد الكثير المفيد ونحن ننصت لمجالس سمرهم فنستمتع بجلساتهم الأدبية وأحاديثهم الشيقة، وكانت المجالس أكثر متعة حين يؤمها رجال امثال مولانا الشيخ عبد الإله ابراهيم أبو سن ابان احدى زياراته للخرطوم قادما من رفاعة أو القضارف.ٍ.
«5»
تعلمنا منهم كيف يستقبلون أفراحهم وأتراحهم، فكان احساسهم بالفرح يكسوه الاتزان والاعتدال ويستقبلون أحزانهم بصبر وايمان وقد ارتسمت علامات الحزن النبيل على وجوههم وقد بدأوا أكثر تماسكا أمام معزيهم.. كان هؤلاء الرجال يمثلون لنا الآباء وزوجاتهم الأمهات وأبناؤهم وبناتهم الاخوان والاخوات، وهكذا كان ابراهيم الحاردلو وأسرته الكريمة.
أتاني الدكتور ابراهيم الحاردلو رحمه الله بمستشفى « مورفيلد» للعيون بلندن حين كنت أتلقى العلاج هناك، وأخذني الى منزله بجامعة كمبردج، وهناك استقبلتني بكل ترحاب وفرح زوجته «أم أحمد» بنت شيخ العرب وأحاطاني بكل عناية ورعاية خففا عني آلام المرض ووحشة الغربة فأحسست أني بين أهلي في البطانة والقضارف..
«6»
قضيت أياما بجامعة كمبردج استمتعت كثيرا بالتجوال في ربوعها وأحسست كأني أتجول في بخت الرضا أيام مجدها الزاهر.حدثني رحمه الله عن كمبردج الجامعة العريقة وما بها من أساتذة وعلماء أفذاذ وكليات عديدة ومعامل ضخمة ومناشط متعددة. حدثني عن موضوع رسالة الدكتوراة التي يعدها عن ابن حزم الأندلسي، وعلق أن الدكتوراة ما هي الا رخصة علمية للانطلاق نحو آفاق أرحب، فالمرء كلما قرأ كثيرا يدرك أنه لا زال يجهل الكثير ولهذا كان العلماء أكثر الناس تواضعا.
حدثني باعجاب وحب عن جده أحمد بك أبو سن الذي وصفه السير صموئيل بيكر قائلا:» كان أروع نموذجا للملامح العربية، رأيته في حياتي وبالرغم أن عمره كان يناهز الثمانين فان قوامه كان معتدلا كالرمح ولم تكن سنه تبدو أكثر من خمسين أو ستين سنة.كان بنيانه من نوع هرقل .. هرقلي البنيان ، طوله ستة أقدام وثلاث بوصات، مع أكتاف وصدر عظيمي العرض، وأنف شديد الانعتاق ، كانت له عينان كعين النسر، تحت حاجبين كثيفين ولكنهما ناصعتا البياض، ولحية طويلة شديدة الكثافة تتدلى الى ما بعد منتصف صدره، ويرتدي عمامة ضخمة بيضاء وعباءة من صوف الكشمير تنزل من أعلى عنقه حتى عقبيه ، وكأحد سادة الصحراء فانه قد بلغ من الكمال حدا لا يعلى عليه، لقد كان أكمل صورة يمكن أن يرسمها الخيال لابراهيم الخليل اذا حاولنا تجسيد صورته وهو على رأس قومه0
«7»
الحديث عن البروفسير ابراهيم الحاردلو هو حديث ذو شجون، فقد كان رجلا أمة وبفقده فقدنا منارة علم وزعيم وضوء قبيلة. أتى شهر رمضان الكريم ولم نجدك بيننا يا أبانا ابراهيم، فقد غبت عنا في عالم آخر وأذكر كيف كنت تردد على مسامعنا حين وفاة أحد أفراد العائلة: «ان الموت هو الحقيقة في هذا الوجود» ونحن ندعو أن تكون مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. فسيظل صوتك العميق الندي يرن في آ ذاننا ووجداننا وأنت تتلو القرآن الكريم خاصة في أيام وليال رمضان ..
عزاؤنا أنك تركت ذرية من البنين والبنات أورثتهم التقى والورع، وتركت من ورائك علما ينتفع به من بعدك، ندعو الله أن تكون ممن عناهم الحديث الشريف: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».
ألا رحم الله أستاذنا وشيخنا وحبيبنا ابراهيم أحمد الحاردلو، وأسكنه فسيح جناته وجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يجعل البركة في ذريته ويشملهم بلطفه ورحمته.
aaaabdalla8@gmail.com