بين الصمت والغتاتة.. خيط رفيع! إجماع على السكوت اختلاف على الثرثرة

استطلاع- تسابيح عابدين
«اغضب من الصمت المهين، انا لا احب الساكنين». هكذا صرحت نازك الملائكة في احدى قصائدها، بينما لم يتفق معها نزار قباني حينما قال: «الصمت كبرياء»، بيد ان الإهانة والكبرياء مفردتان لا علاقة بينهما وتختلفان في المعنى والمضمون. وما يثير الاستغراب هو عندما يصف احدهم الصمت بأنه مهين وآخر يجده كبرياء، فقط ما يمكن ان نستنتجه هو ان للصمت معان عدة تختلف باختلاف الظروف اللحظية، او ما يمر به الشخص من مواقف تستدعي الصمت.. بعضهم يرى في السكوتين سمة «الغتاتة»، ولكن يقال ان الكلام اذا كان من فضة فالسكوت من ذهب. وهكذا تتناقض الرؤى وتتضارب مع العلم بأن دواعي الصمت الرجالية تختلف في جوهرها عن تلك النسائية نسبة لاختلاف الأهداف والأفكار والدوافع والانفعالات.
«1»
يقال ان الصمت هو التفكير بقوة، ولا اجد غير الاحترام للشخص الصموت، فأنا اشعر في صمته برجاحة عقله، ويواصل «داود الحاج» كلامه عن الصمت قائلا: لكنه احيانا مخيف لأنك لا تعرف ردة فعل الزول الصامت او الكتوم. مرات في ناس نظراتهم بليغة في ايصال المعلومة ومثل هؤلاء مدهشين جدا،.. انا زول متوسط يعني على قدر ما اقوم بصرفه من اللغة العربية على آذان الناس، بذات القدر اقدر على السكوت، وعادة اسكت عندما اكون منزعجا او مرهقا، او ليست لديّ رغبة في الكلام والسمع ايضا، كما لا استطيع ان اداري شعوري بالزهج من الشخص الثرثار.. ولا اخفي خوفي من السكوتين ممن لا استطيع تفسير نظراتهم وإيماءاتهم المبهمة.. بالمختصر المفيد انا اهاب الشخصية الصامتة.
«2»
اما «شهد السر» فقد تحدثت عن صمت الرجال قائلة: انا اخاف من صمت الرجل بغض النظر عن علاقتي به، فصمت الأب وصمت الأخ او صمت الصديق من الأشياء التي تثير القلق. اذكر انني في مرة من المرات كنت اتجادل مع اخي في موضوع عرفت انه لم يكن ذا اهمية بالنسبة له، عندها سكت فجأة و شعرت بأنني ثرثارة جدا، وأنني انفقت جهدا كلاميا في موضوع غير مهم ولا مفيد.. هذا الإحساس جرحني بشدة، ولم انسه حتى الآن.
اما صمت الرجل الحبيب فهو الأزمة الحقيقية، فربما يحمل بين طياته سوء الفهم، او الغضب، او الحزن او ربما الخيانة، وكذلك عدم القدرة على التعبير عن المشاعر، والمشكلة الحقيقية هي ان كل ما قلته مجرد احتمال قابل للخطأ او الصواب، ويصعب التحقق منه.. عموما انا لا افضل الصمت وأتضجر منه، والصامتون مملون ولا أحتملهم مطلقا.
«3»
جني وجن الحركات دي.. انا زول ونسة والسكوت ما بيأكل عيش في الزمن دا. «الطيب عثمان» اوضح بصراحة شديدة ان الصمت ليس من صفاته وأضاف: ديل ناس «غتيتين» طالما الواحد بقدر يتكلم المسكتو شنو؟ احسن حاجة الواحد يعبر عن نفسه.. وللا شنو؟.
واسترسل الطيب في الكلام بعد تساؤله: من وجهة نظري الخاصة اهم شيء ان يعرف الإنسان متى يتكلم ومتى يسكت، عشان يسلم من المشاكل، لأن الصامت ليس دائما قويا، فبعضهم يكف عن الكلام للخوف من الإدلاء بأي قول، وبعضهم متعود على ذلك، وقد يصاب بضعف الشخصية، الأمور في الدنيا اصبحت صعبة وتحتاج الى «المجابدة واللحلحة» خليك من الكلام، لذا يجب مراعاة ان يكون الكلام في محله.
«4»
اما «داليا» فتقول: الزول السكوت في العادة لم يصمت عن فراغ وإنما يكون في حالة من التفكير، وأعتقد ان الصمت تنتج عنه فكرة جديدة او جميلة لأن الشخص الذي يفكر في امر سيئ لا يستطيع الصمت فقد يؤذيه، هذا ما اظنه. قد تكون هناك مشكلة جراء الصمت وهي ان كثيرين لا يمكنهم تفسير الصمت او الإيماءة التي تعني عبارة «فيما معناه»، والصمت كلام ولكن لمن يفهم وكذلك فن لا يجيده الكثيرون، وعلى العموم الصمت اجمل من الكلام وهو متفق عليه عند كثير من الكتاب والفلاسفة.
«5»
ابتدر «احمد» افادته بعمل جرد لحساب الصمت والكلام: منذ ان تعلمت الكلام وحتى الآن لم تحدث لي مشكلة جراء الصمت بعكس ما سببه لي الكلام. من الملاحظ ان الشخص كثير الكلام غير محبوب وترى الناس «يتزاوغون» منه يمنة ويسرة، على خلاف السكوت الذي يجد احتراما كبير بسبب صمته.. وهو اكيد انسان فاهم ولا يقول الا صوابا لأن الصمت يتيح له ان يفكر ويقدر الأمور جيدا حتى تكون في نصابها.. اما الثرثار فتلقاه «يطربق» في اي مكان.. البيت.. المواصلات. الشغل، يحكي قصصا غير مفيدة وغالبا ما يقع في براثن الكذب و»التلافيق».