قبول الآخر نعمة وليست نقمة

* عندما يكون القبول للأخرين مهما كانت آراؤهم ووجهتهم ، فإن ذلك يكون مانعاً لحدوث النزاع ، ومقللاً لأثار التباين والإختلاف ذلك لأن الذي يقبل من مناوئه بعض الرأي لديه الرغبة في أن يقترب منه ، فتتحول العداوة إلى صداقة ، والكراهية إلى حميمية ، والمشاعر السالبة إلى أخري بعضها أن لم يكن جُلها إتفاقاً وإيجاباً .

* وترتسم سيماء الفرح وتتهلل الأسارير ، دائماً عندما يقبل الناس بعضهم على بعض يتعانقون ، ويتسالمون ، وتظهر هذه الملامح ، وتبدو مثل تلك المظاهر ، في مجتمعنا السوداني ، في موسم الأعياد ، عندما يتصافح المتخاصمون ، ويتزاور الذين كانت بينهم شحناء فتضيق مساحات التباين ،

وتلتقي الأحاسيس الممزوجة بالقبول ، والعامرة بالمعاني التي لا تتناقض مع قيم التفاهم ، والتعايش ، ورد التحية بمثلها ، أو بأفضل منها ، كما ذكرنا ذلك آنفاً عندما تأتي مواسم الأعياد .

* والقبول الذي يتسم بالرضا ، لا يقل في قيمته عن التوافق على معظم بنود العقود التي تعبر فيها أطرافها عن شراكات فاعلة ، وتعاون مثمر ، ومشروعات عملاقة لا يناطح بناؤها السماء ، إلا إذا عقدت الإتفاقات على تنفيذها ،وبصمت الأيادي بالتوقيع عليها ، وإشهاد الشهود إلتزاماً بما نصت عليه بنودها ، وما خلصت إليه من خلاصات كانت ثمرة للقبول ، ومن ثم الإتفاق .

* والقبول بالأخر هو الطريق الذي يؤدي إلى التقارب بين الأفكار والتوجهات، ويتيح مساحات واسعة لتبادل الرؤى ، وتداول الموضوعات ، فلا مكان عندئذ لرأي واحد ، تفرضه قوة مادية ، أو سلطة عسكرية ، أو غير ذلك من وجوه الإكراه والإجبار ، حيث توجد الفرص السانحة ، لتجاوز الخلافات ، وتزاوج وجهات النظر ، والوصول إلي ما يجمع ولا يفرق ، بإسقاط هذا الرأي وذاك على مرجعيات نسميها القواسم المشتركة ، والقواعد الأصولية التي ليس بين الأطراف حولها أدنى درجة من درجات الإختلاف .

* وعندما يكون القبول بالآخر ، هو القاعدة التي تسري وتتحول إلى عقيدة إجتماعية ، ومن ثم إلى منهج سياسي ، فإن ذلك سيكون مدعاة إلى أجواء معافاة ، ومناخات ملائمة ، لتلتقي العادات ، وتتكامل الثقافات ، فلايناطح عرفٌ عرفاً ، ولا تقليدٌ تقليداً ، بل يكون الإستيعاب هو العنصرالثابت ، فينتفي التصادم بين الفرقاء ، ويحدث التواصل بين الغرماء ،ويشيع السلام ، وتنتشر المحبة ، فيكون للإستقرار قرارٌ ، وللرفاهية أبوابٌ واسعة ، يدخل منها من يشاء ، من حيث الإتجاه الذي يشاء ، وهكذا فإن قبول الآخر نعمة ، وليس هو نقمة بأي حال من الأحوال .