هندسة الحوار «1»

479أمس الاول ختمت جلسات الحوار الوطني بالتوقيع على الوثيقة التي تراضى عليها أهل السودان في وجود عدد من الرؤساء الأفارقة والعرب وعدد من ممثلي الدول . جاءت تلك الوثيقة تتويجاً لعمل متواصل مضن استمر لعامين وقد اشتركت فيه بصفتي شخصية قومية وكنت قد قدمت ورقة في لجنة العلاقات الخارجية بعنوان «تضاريس السياسة الخارجية » كما قدمت مذكرة بعنوان خارطة طريق للحوار الوطني ، وقد سرني أن ما أشرت إليه جاء موافقاً لما اقترحته حيث قلت:
«الحوار ليس بدعة. فقد حاور الله سبحانه وتعالى الملائكة وحاور إبليس وحاور المشركين والكافرين به ولم يضع لهم شرطاً مسبقاً كأن يقول مثلاً  «لن احاوركم حتى تؤمنوا بي» والقرآن معظمه حوار «قل .. قل .. قل .. » وفي نهاية الحوار ترك لهم الأمر «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» . وعليه فإن من أبجديات الحوار ألا تكون هناك شروط مسبقة يضعها أي طرف نظير إشتراكه في الحوار. ولذلك فإني أرى أن توافق الأطراف كلها على خارطة طريق تبدأ بالآتي :
نحن المتحاورين بشأن قضايا البلاد وقد وجدنا أن الحوار هو الأسلوب الأمثل للوصول لحل مشاكل البلاد نتفق على الآتي:
1-لا يضع أي طرف شروطا مسبقة نتيجة إشتراكه في الحوار.
2- الحوار لا يعطي كل شخص السقف الذي يطالب به . بل يجب أن تتحرك الأطراف كلها لمنتصف الطريق وتستعد للقيام بتنازلات تضمن الوصول لاتفاق يرضي الجميع.
3- مجمل الأفكار والرؤى التي تطرح تصنف في ثلاث مجموعات :
أ / رؤى متفق عليها مثل وحدة البلاد وقضايا الحريات وسيادة القانون والتنمية المتوازنة وأن السودان قطر تتعدد فيه الأعراق والثقافات وإنه ليس لأي عرق  السيادة على الأعراق الأخرى وإن صيغة الحكم فيه ديموقراطية تمارس من خلال نظام فدرالي يحكمه دستور دائم يحافظ على الحقوق ويحدد الواجبات.
ب / رؤى تحتاج لمناقشات ولكن لا يصعب الوصول إلى إتفاق بشأنها.
ج/ رؤى أكثر تعقيداً ويحتاج الوصول لاتفاق بشأنها إلى مفاوضات قد تأخذ زمناً أطول للوصول لاتفاق حولها وهذه هي التي تتطلب تنازلات حقيقية من جميع الأطراف.
د /الاتفاق الذي ينجم عن تلك المناقشات هو الذي يمثل مخرجات الحوار ويكون ملزماً لكل الأطراف الموقعة.
خارطة الطريق هذه هي التي تختصر كثيراً من المناقشات وهناك أكثر من مائة حزب وحركة مسلحة وغير مسلحة ولكن هذه هي التركيبة المعقدة للسودان ولكل الحق في إبداء رأيه والاعتراف بالآخر هو الذي يدفع إرادة التعايش السلمي. ويتوقف إشتراك الاطراف غير المنضوية للحوار على الجدية التي يأخذ بها المتحاورون الشأن السوداني.
نريد للحوار لكي ينجح أن يفهم الناس مفاتيح الشخصية السودانية . فالشخصية السودانية لها جوانب سلبية وجوانب إيجابية ويمكن بزرع محفز بسيط ظهور أو إخفاء أي من الشخصيتين . فإذا تعاملت بتعالٍ وعجرفة وتهميش وعدم إصغاء وفقدان ثقة فإنك ستحصل على أسوأ ما عند الشخصية السودانية وإذا تعاملت بإصغاء وتفهم واحترام وتقدير ومعاملة الند للند فإنك ستحصل على أحسن ما عند الشخصية السودانية حيث تحدث التنازلات والتسامح والتعايش الذي لن يصل الحوار إلى غاياته بدونه . وعلينا إلا نتخذ منهجاً للحوار والتفاوض ينادي بـ «ما عندي هو ملكي وما عندك قابل للتفاوض»  Mine is mine and yours is negotiable . وهذا ما انتهجه الجنوبيون في مفاوضاتهم معنا حيث اعتبروا الجنوب هو ملكهم وأخذوا يفاوضوننا على ما عندنا . كل المفاوضات انحصرت فيما عندنا الذي اعتبروه قابلاً للتفاوض والنتيجة اتفاقية ظللنا نحن والجنوبيون نعاني منها.
اسأل الله أن يوفق أهل السودان للوصول لحل يرضى عنه الجميع فالحكم الراشد يتم بالتراضي لا الترضيات لأن الترضيات لا قاع لها».
وغداً سأستعرض كتاب المهندس الأستاذ الصافي جعفر «الحوار في القرآن الكريم والرسالات» الذي أعده مرشداً حتى للحركات الممانعة التي لم تشترك في الحوار.