الحوار الوطني…..ثم ماذا بعد ..مرة أخرى «1»

461هذا مقال نشرته قبل حوالي أشهر ثلاثة وأعيد نشره منقحا ومزيدا لمناسبته للوقت وللحدث الجاري. والتنقيح والزيادة سببهما أن مياها جرت تحت الجسر وأحداثا حدثت وأمورا أبرمت لابد من أخذها في الحسبان والإعتبار .وحدث الساعة  هو دخول قوى معتبرة للحوار في مرحلته الخاتمة وتوافق الجميع على توصياته ومخرجاته.بل وترحيب بعض المقاطعين بتلك المخرجات.  لكن رغم توقيع المعارضة الخارجة على خارطة الطريق فهي على معتادها في الرسوب في امتحان الحساب وعلى عهدها في التعويل على مواقف الدوائر الأجنبية التي يظن غالب أهل السودان أنها لا تبغي له الخير.  والمعارضة الخارجة بتأبيها على الوفاق والسلام وتعويلها على إجندات أجنبية تعرقل حصول  إنفراج سياسى كامل، تلتئم به الساحة السياسية على توافق يسمح بإبتدار مرحلة سياسية ودستورية جديدة .

الحوار لماذا ؟؟
إطلقت دعوة الحوار وإنبثقت من شعور قوى داخل أوساط الحزب الحاكم بالحاجة إلى إصلاح لا يمكن تأجيله . وقناعة راسخة إن إستمرار الأمر على مساقه المعتاد لا يمكن إستدامته ولا تؤمن عواقبه. فالسودان في حاجة إلى أن يجني ثمرة تضحياته التي قدمها للسلام، الذي يريد له البعض أن لا يتحقق واقعا في أرض السودان. والسودان في حاجة إلى بناء كتلة سياسية متضامنة من أجل تحقيق العدالة وتسريع التنمية . وهما المقصدان اللذان كانا يجب أن يكونا الثمرة الدانية لتحقيق المشروع الإسلامي فى السودان .وصحيح أن قوى عالمية ومحلية إستفرغت الجهد لإبطال كل مسعى يحقق هذين الهدفين تحت عنوان المشروع الاسلامي ، ولاتزال تلك الجهود تبذل لنقض كل غزل يغزل بإسم الإسلام ، بيد أن المؤمن الحق ليس له أن يبرىء نفسه الأمارة بالسوء، فتبرير كل فشل عن المواصلة وكل إخفاق عن تحقيق المراد بمايكيد الكائدون هو إقرار بالعجز المستدام . فإن الغرماء والخصماء  لن يتوقفوا عن المكر وعن الكيد ، فهل حينئذ سيقول القائلون ألا إلى  تحقيق المقاصد من سبيل ؟؟إن أول ما يتوجب الإعتراف به أننا في حاجة الى إستعادة روح العمل المشترك من أجل الوطن وأن نقر أن هذه الروح كادت تتبدد وسط التحالفات الآنية المصلحية والتسويات الذرائعية . ولن تُستعاد الحماسة للشراكة الوطنية الحقة  إلا على أساس حزمة من الأفكار الأساس التي يتوافق عليها الناس تراضيا لا تغاضيا وأقتناعا لا أنصياعا . وثاني ما يجب الإعتراف به أن المساومات والتسويات خاصة تلك القبلية والجهوية وأحيانا الفئوية والشخصية لم تجلب أفضل الكفاءات لتحقيق أنسب المرادات . وأن مفهوم الملائمة السياسية والصواب السياسي غلب على مفهوم مطلق الملائمة ومطلق الصواب . لا شك أن الحزب الحاكم ومن يواليه يحتاج إلى مراجعات أقرها وأعتمدها عندما تبنى شعار قيادة الإصلاح وإستكمال النهضة للحملة الانتخابية . ويا لها من مهمات جليلة وأعباء باهظة لا يمكن إنجازها بمضي الأمور على معتادها . فالاصلاح لن يصبح شعارا إلا إذا أحس الناس أن التحركات خرجت عن المسارات أو أن التحولات تجاوزت المجهودات ، فحينئذ يصبح الوضع إستثنائيا ولا يُصلح للمعضلة الإستثنائية إلا حلولاً إستثنائية . وأما تهوين الأمور فدلالة على العجز مثل تهويلها تماما . إن المؤتمر الوطني طرح خمسة عناوين للحوار الوطني على لسان رئيس الجمهورية ، وعندما طرحها قصد أن يطرحها لأن الخلاف حولها هو ما يصنع حالة الرحى الدائرة تطحن كثيرا ولا يخرج من فوهتها إلا النذر اليسير. وأول هذه المسائل هي النظام السياسي بإسره لا نظام الحكم فحسب . فلا شك أن النظام السياسي الذي يشتمل على الفاعلين السياسيين جميعا وعلى المنظمات والمؤسسات السياسية  والإعلامية والدستورية  بات معطوبا غير قادر على تهيئة مناخ للتساجل السياسي والتداول السلمي . وأعطابه التي لم تصلح وأبعاضه التي لم تستبدل أعطبت  هي الأخرى جوانب كثيرة من الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية. فالسياسة دخلت مثل الضباب على كل شىء فأفقدته الرؤية الثاقبة والحركة الدائبة .ومن أجل ذلك طرح المؤتمر الوطني قضايا التشارك السياسي وقضايا الحريات والواجبات أول ما طرح فمن غير إصلاح سياسي سيصبح كل إصلاح آخر محتاج إلى إصلاح .
السياسة والمعاش:
وكذلك طرح المؤتمر الوطني في الرتبة الثانية قضية معاش الناس .لأنه يدرك أن جوهر السياسة هي تحقيق مصالح العامة . وأول هذه المصالح الإطعام من جوع والتأمين من خوف . وقد أدى النظام السياسي المعطوب حكماً ومعارضة الى آثار كثيرة ضارة بالجهود المبذولة لتحسين المعاش وتأمين الحياة . وأدى في أحيان كثيرة إلى إنعدام الخيار أمام المخططين لإنعدام البديل قدامهم . فإنه لا يصح إستخدام مفردة خيار إلا إذا تعددت إمام الناظر البدائل. وفى ظروف الصراع والإحتراب تبدد البدائل فتبدد الموارد بتبددها .وتعلو الأولويات الأمنية الضيقة على كل أولوية أخرى . ويعتكر مناخ الإستثمار فتتناقص المشروعات وتتناهى الطموحات ، وتصبح السياسات سياسات معالجات لا سياسات تحفيز وتفعيل وإنجاز. ومهما كُتب في الأوراق من أفكار صائبة فهي لن تكون ناجعة فاعلة في مناخ لا يؤاتى إفتراضاتها. وصحيح إن جزءا من مشكلة ضيق المعاش مصنوع بالتضييق المقصود على المشروع المرفوع ، ولكن هذا التضييق يجد مبرراته في فشل النخب الحاكمة والمعارضة في التراضي والتوافق على الحد الذي يسمح برفع الضرر عن الناس برفع الضرار بين المتخاصمين المتحاربين . ولا أحد يلاحي فى الإمكانية الهائلة التي يكتنزها السودان من الموارد البشرية والمادية ، ولا يقع كثير جدال حول صوابية الخيارات والسياسات ولكن ثقافة الإقصاء المتبادل هي التي تقتل فرص التشاور الحق بين وجهات النظر وإتجاهات التفكير. والناظر إلى ما خرج به الحوار في قضايا الاقتصاد يرى كيف وقع الحافر على الحافر في كل التوجهات والسياسات . فلم يبق إلا أن تتوافر العزائم على أعلاء السياسة التي هي إصلاح على السياسة التي هي تنازع وصراع.
الهوية ما هي ؟
وطرح المؤتمر الوطني قضية الهوية ليس لأنها غامضة أو خفية ، فالشخص لا يكون إلا نفسه ، والجماعة الثقافية  والوطنية لا تكون إلا كما ترى نفسها. والأصل في الجماعة  أيما  جماعة أنها جماع هويات فردية متعددة متنوعة  ، والتنوع هو المغزى لاجتماعها فلو أنها كانت متطابقة لتوحدت شخصا واحدا فلم يزد ما بها شئيا بالإجتماع . وإنما  باعث الاجتماع هو تعبئة الطاقات المتعددة وتجميع الموارد المتنوعة . ولذلك فلا معنى للجدل العقيم الذى يريد أن يلغى التنوع أو أن يحتفظ به  تنوعاً متجاورا لا متمازجا متفاعلا . وقد جاء طرح قضية الهوية لمناقشة سياسة إدارة التنوع لا لتقرير ماهو مقرر أصلاً بموجب واقع الحال . وقد نُفثت أنفاس حارة وأبخرة غير عاطرة فى فضاء قاعة الصداقة ، ولكن توصيات اللجنة خرجت في خواتيم تداولها بوفاق كبير حول ما يجب أن يؤتى وما يجب أن يتجنب في سياسات إدارة التنوع الثقافي والإثني والجهوي . وكذلك وقع ذلك  وأثره على قضايا التدبير السياسي والتنموي في البلاد.ولاشك أن توجهات السودان في سياساته الخارجية هي واحدة من تمظهرات رؤيته لهويته ، والتوازن في تلكم الرؤية لا شك سوف يحدث التوازنات في سياساته الخارجية . يدخل في ذلك حقائق ووقائع ملموسة ومحسوسة في تفاعل أهل السودان ودولة السودان مع الأمم والدول الأخرى. فالحديث عن الهوية ليس حديثل نظريا وإنما  هو وصف لواقع الحال.  فنحن في واقع الحال ننتمى إلى أفريقيا بالجغرافيا والديموغرافيا وبالثقافة المادية في جلها ، وننتمي للعروبة لسانا وثقافة غير مادية في جل ذلك ، ولكن التضامن والتفاعل الحقيقي هو ما سيجعلنا أقرب إلى هؤلاء أو إلى أولئك ، دونما قطيعة مع أحد.فالأرحام بين الأمم مثل الأرحام بين أفراد الناس يسعد الناس بوصلها ويشقون بفصلها وقطعها .
الدستور للإتئلاف أم الإختلاف؟
الأصل في وثيقة الدستور أنها تسجيل لما يتوافق عليه الناس لتنظيم حياتهم العامة وأحيانا الخاصة ، ولكن الدستور في السودان صار مثل قميص عثمان يُرفع لتكريس الخلاف لا لتسريع الوفاق . وقد آن الأوان لكى يكون الدستور كما أريد له بوابة التراضي والإتفاق . وأول بنود ذلكم الإختلاف هو إصرار البعض على تسمية المنتظم الذي سيناقش الأمور الدستورية بالمؤتمر الدستوري ، بينما ينص الدستور الانتقالي الذي أنجز بوفاق تام من جميع القوى السياسية أن الدستور سوف يناقش في المفوضية المنصوص عليها في بنوده . وقديما قال العقلاء لا مشاحة في التسميات والإصطلاحات . ولا شك أن مفردة مفوضية أقوى من حيث تقوية صلاحيات ذلك المنتظم الدستوري من كلمة مؤتمر ، ولكن الأمر بإسره لا يجب أن يكون سبباً فى تعطيل إجتماع قوى المجتمع المدنى والأهلى بأحزابها ومنظماتها وعلمائها وخبرائها لإبرام عقد رشد لمرحلة سياسية جديدة ، يُوطد فيه الاتفاق على أسس النظام السياسى وعلى ركائزه وأعمدته وأسقفه. فالسياسة لاتصلح إلاعلى إتفاق على الإتفاق فى أمور ، وعلى إتفاق على نظام الأختلاف  فى المختلف عليه .وإنما يكون الاتفاق على الأصول التى يحب البعض أن يسميها ثوابت ولا أحب التسمية ، ويقع الاتفاق على قواعد الحركة والسكون والفعل والإمتناع ، فأنه مع الإفتقار إلى ذلك لا يكون الأمر إلا فوضى تسمى بغير إسمها. وإنما يكون الإتفاق على نظام الإختلاف عاصماً من الانزلاق من التنوع إلى التنازع ، فالتنازع مؤذن بذهاب الريح ، والريح إن هى ذهبت فقد يطول الإنتظار حنى تؤاتى من جديد. ولقد شهدت قاعة الصداقة حوارا مستفيضا حول قضايا الحكم والدستور . وقارب الإتفاق حولها أن يكون إجماعا إلا في أمور محدودة ، لا يؤذي التنازل عن الرأي فيها من هذا الطرف مرة ومن الطرف الآخر تارة أخرى . وأما أولئك الذين يتحدثون عن المؤتمر الدستوري من الخارج فإنهم يعلمون أنه ما من فكرة فطيرة أو خطيرة قالوا بها إلا وقيلت وسُمعت فى أبهاء قاعة الصداقة . فالأمر لايتعلق بالإفصاح عن رأى بل بالقدرة على الإقناع به . ويتوجب على هؤلاء إن ساعفتهم الروح الوطنية أن يقبلوا صادقين على النظر في مخرجات الحوار وجعلها مادة لتدبر منتج ، يخرج به الفرقاء من ضيق المنازعة الى سعة التوافق والتشارك . ولا شك أن السودان يحتاج إلى فترة نقاهة من أدواء الصراع والنزاع تجسدها ديموقراطية توافقية تفضى إلى ديموقراطية تنافسية ، تنتهض على أسس راسخة من المبادىء المكرسة لوحدة الوطن وتكاتف أبنائه على النهوض به إلى أعلى ما يبتغون. ولأجل ذلك لابد للدستور أن يهيىء لذلك بمراجعات للقواعد والتشريعات التي تنظم الحياة السياسية بما يوافي متطلبات الواقع لا مشتهى هذا الحزب أو مبتغى الحزب الآخر.
حوار الفرصة الراهنة :
إن التوافق الكبير الذي خرج به الحوار الوطني والمجتمعي يتيح فرصة كبيرة وقد بددت صفوة بلادنا من قبل فرصاً لا حصر لها لتلتئم الجراح وتهدأ الأنفس ويقر قرار البلاد والعباد . ومن واجب كل واحد منا أن يبذل غاية الوسع لئلا تفوت هذه السانحة الماثلة . والواجبات تتنزل حسب الصلاحيات فمن كان الأصلح لأداء واجب ما تنزل عليه ذلك الواجب بأرجح مما يتنزل على الآخرين ، دون أن يقلل ذلك من مسؤوليتاهم من شىء. والمؤتمر الوطني الذي طرح الحوار الوطني من موقع إحساس بالمسؤولية الباهظة ، عليه أن يكون أشد الأطراف حرصا على إنجاح مخرجاته وتنفيذها بإخلاص وألا تحثه رؤيته لخطل التقدير فى هذه التوصية أو تلك أن الا يجتهد فى انفاذها فالخطأ مع ابقاء التراضى خير من الصواب مع التنازع وتبديد فرصة التوافق والوئام .  فخطة خصوم البلاد إنما هي أن يسقط المعبد على كهنته ولو تهاوت أسقفه على جميع المتعبدين. ولكم نرى من أمثال هؤلاء الحمقى فيما نرى ونشاهد في مجريات الأحداث والأخبارهذه الأيام .بيد أن الحارس اليقظ لمجريات الحوار ولمخرجاته هو الشعب السودانى الذى يجب أن يعلم أن الشأن هو شأنه وأن الأمر هو أمره وانه يجب أن لا يترك الأمر لوكيل غير مؤتمن ولا لمخاصم خارج لا يخشى في الناس إلاً ولا ذمة .
نواصل