في الذكرى 32 لحركة يوليو 1976م .. العميد محمد نور سعد … أسرار وحكاوى

أول خبير في هندسة الأسلحة وأول من أدخل سلاح الجيم3 والآربجي

قال للجنود: “شوفوني بموت كيف” حتى لا تخرج عنه الإشاعات

الخرطوم: سفيان نورين

مرت يوم 2 يوليو ذكرى حركة يوليو 1976م التي قادها العميد محمد نور سعد للاطاحة بنظام الرئيس محمد جعفر نميري، حيث خططت المعارضة السودانية التي تضم: الاخوان المسلمين وحزب الامة والاتحادي الديمقراطي ، للقيام بعمل عسكري في فجر الثاني من يوليو من العام 76، بموافقة السلطات الليبية لدخول الخرطوم بقوات سودانية تدربت في ليبيا بقيادة العميد محمد نور سعد ، وكادت المحاولة ان تنجح لولا تراخى احد قياداتها ، حينها اعدم نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده واطلق إعلام النميري علي المحاولة هجوم “المرتزقة”، فيما تري الجبهة الوطنية التي قادت الانقلاب الامر بانه محاولة إنقاذ البلاد من نظام نميري الذي وصفته بـ “الفاسد” .

والعميد محمد نور ابن الخفير سعد نورين عبدالله، وترجع جذوره كما يروي لنا عدد من اقربائه ورفقائه و من بينهم: اللواء معاش ادم محمد الجدع احد ابناء قبيلته والمعاصرين له، بجانب رفيقه بالمانيا يوسف بدر، الي منطقة “الاضيه زكريا” جنوب النهود مسقط ابائه واجداده، وهو من قبيلة المسبعات وتنقل والده في عدد من المدن والاقاليم بدأها بالجزيرة ابا، رافق خلالها الامام المهدي الي ام درمان ولازمه فترة من الوقت حتي زواجه من خديجة بت الضي التي تقطن بقرية ” طيبه ” بسنار وتنتمي لقبيلة البديرية، زوجها الصديق محمد أحمد المهدي لسعد نورين والد محمد نور والذي قام بتسميته، حيث إنصهرت قبيلة المسبعات بطائفة الانصار نسبة لوالدة السيد عبدالرحمن المهدي المسبعاوية والتي ساعدت في زواج سعد نورين بـ خديجة بت الضي، حين اختار والده منطقة “المزاد” ببحري محلا لاقامته، وتزوج محمد نور من ماجدولين – المانية الجنسية.

الدرجة الاولى

درس العميد محمد نور سعد في مدرسة خور طقت الثانوية واحرز الدرجة الاولي “قريد ون” وكان شخصاً متواضعاً زاهداً منذ صغره يحب الإنضباط والحزم مما دفعه للعسكرية.. حيث يقول اللواء ادم الجدع: قابلته عدة مرات عند المعهد الفني والقياده العامة وطلبت منه التوسط ليّ بالانضمام للقوات المسلحة لكنه رفض ذلك، وقال لي ” لا.. لا مكانة لك الا بالكفاءة وحتي لو قُبل 90 شخصاً بالكفاءة وتبقي 10 منهم بالمحسوبية لما قبلتك واحداً منهم ” وذلك رغم علاقتنا الاسرية وصلة الرحم التي تربطنا”، مما يؤكد نزاهته وعمله من اجل الوطن وليس الجهوية والمحسوبية.

واوضح ان محمد نور سعد ظاهرة نادرة ولا تتكرر خاصة في انسانيته وحنكته القيادية كعسكري من طراز فريد، واكد ان ذلك الامر جعل “الجبهة الوطنية” تختاره من بينها قائداً لها، فضلاً عن اختياره رئيساً لاتحاد الطلبة السودانيين ببرلين .

خبير في الأسلحة

تخرج قائد الإنقلاب من الكلية الحربية برتبة ملازم اول ينتسب الي الدفعة السابعة، التي لازمه بها الفريق اول عبدالماجد حامد خليل واللواء الركن عمر محمد الطيب، حيث عملا بسلاح الذخيرة ثم سلاح المهندسين وسلاح الاسلحة، ومن ثم تم اختياره في بعثه دراسية الي المانيا ليدرس الاسلحة والذخائر ومكث بالمانيا ثمان سنوات، وعاد من المانيا كأول خبير في هندسة الاسلحة والذخائر واوائل الضباط الذي ادخلوا سلاحاً يسمي “الجيم3″ و”الاربجي” حينها ، ليصبح بعدها قائداً لسلاح الاسلحة والذخيرة وتمت ترقيته الي رتبة عميد ركن، عندها وبحسب رصفائه الضباط وجد كثيراً من الاشادة وكانت الانظار تلتفت نحوه، واثر خلاف بينه والرئيس نميري تم عزله من الجيش واخلاء سبيله .

تغيير النظام

وعقب عزله من القوات المسلحة عاد مجدداً الي المانيا للقيام بدراسات عليا، وقتها قام بعض القيادات العسكرية والمدنية والتي ينتمي معظمها الي الجبهة الوطنية التي تضم قيادات امثال الامام الصادق المهدي والشريف حسين الهندي ود.غازي صلاح الدين ومبارك الفاضل وعمر نور الدائم لتغيير حكم الرئيس نميري، ولم يجدوا قائداً للمهمة الكبيرة الا العميد محمد نور سعد، حينها التقاه السيد بكري عديل وومن ثم الصادق المهدي ولكنه لم يستجب لهم الا بعد إتصال من العقيد الليبي معمر القذافي الذي تربطه علاقة بالجبهة الوطنية في ذلك الوقت، حيث اعاد تدريب قواته وغير خططها وقاد اكبر عملية عسكرية في العام 1976م للاطاحة بحكم نميري.

فشل “البيان”

استطاعت المحاولة السيطرة علي بعض المواقع العسكرية والاذاعة والتلفزيون، وعندما حاول العميد محمد نور سعد التقاط بث الاذاعة كشف امره ولم يتمكن من اذاعة البيان و حال الأمن والجيش دون سعي الجبهة الوطنية وامنيات قائد الانقلاب ، واسترجع الجيش المواقع في اليوم الاول للهجوم والذي عُرف عند إعلام مايو الذي استطاع تعميم الصورة الذهنية لحركة 1976م عند المواطنين وجردهم من الوطنية، واتهامه لهم بـ “المرتزقة”، وخطط محمد نور للانقلاب من الحدود الليبية الي جانب التحرك الداخلي من طلاب وجنود، الا ان تلك التحركات باءت بالفشل ونظم الجيش صفوفه وقاد هجوماً استرجع فيه كل المواقع قبل غروب الشمس .

تقديم الخطة

ومع اقتراب فترة الاعدام يروي ابراهيم حسن “للصحافة” وهو حفيد محمد نور سعد: انه بعد القبض علي محمد نور سعد وعدد من الجنود عقدت له محاكمة عسكرية جوار كوبري النيل الازرق ببحري في سلاح المهمات، وحضر كلاً من والده وامه وشقيقته وعدد من وجهاء القبيلة واصدقائه، واشار الي انه لم يكن داخل ساحة سلاح المهمات الا الضباط العسكريون، وكان العميد محمد نور سعد جالساً في غرفة مقيد الارجل واليدين بالسلاسل امام مسؤول الحراسة بالمحكمة محمد عبد الرحيم، وتحمل قائد الانقلاب المسؤولية لوحده وانكر كل من شارك معه لرئيس المحكمة مهدي المرضي الذي كان لديه معرفة بسعد نور، حيث انتهت الجلسة وقرر اقامة جلسة اخري في اليوم التالي، وحينها افاد للمحكمة ضابط كشاهد اتهام قائلاً: ” ان محمد نور قال لهم بانه لم يقصدهم ويريد التعامل معهم كرفقاء مؤسسة عسكرية، وقدم لنا خطته” .

رفض تخفيف العقوبة

وفي الجلسة الثانية سأل القاضي محمد نور سعد هل لديك مايخفف عنك الحكم؟ فاجاب بثبات: ليس لدي، حينها ضجت المحكمة بالاصوات المرتفعة من حزن وضجر، وقالت الرضية شقيقته لاخيها محمد نور سعد “ماشي تخلينا لمنو؟”، الامر الذي دعا والده لرفع صوته في وجه ابنته قائلاً لابنه محمد نور: “ماتنكسر ليهم نحن عافيين منك”.

ويضيف الراوي ابراهيم حسن انه مع دنو وقت الاعدام جاء عدد من المسؤولين علي المستوي السياسي والعسكري لوالد محمد نور سعد وقالوا له “ان ابنك يقوم بعمل غير حميد” ، فاجاب: “إني أقبل حكم الله وماشاء الله فعل “، ونوه الي ان العزل العسكري والظلم الذي وجده في السجن تجاه نظام يحسبه فاسداً ويحتاج الي تغيير وراء قيادة حركة 1976م .

الرسالة الأخيرة

وبحسب افادات الرواة ان ليلة تنفيذ حكم الاعدام نقل محمد نور سعد في سيارة عسكرية خاصة الي مكان رميه بالرصاص ، وقتها ارسل رسالة للشعب والتاريخ قائلاً للجنود: “شوفوني بموت كيف” في اشارة الي انه سيواجه الموت بشجاعة وثبات ، حتي لا تخرج الاشاعات من نظام نميري بعد موته كما قال العميد محمد نور سعد.. فيما يري المحللون ان اطلاق مصطلح ” إنقلاب” علي حركة 1976م ليس دقيقاً، بحجة ان المفهوم الكلاسيكي للانقلاب يعتمد علي ان تكون القوى الساعية للتغيير جزءاً من القوات المسلحة.

ويري مراقبون ان اسباب فشل الاطاحة بنظام نميري تخبط المدنيين المسلحين الذين شاركوا في القتال وهم لا يعرفون جغرافية العاصمة، بجانب فشلهم في تشغيل الاذاعة وتعثرهم في الوصول للمطار الذي حطت فيه طائرة النميري قبل نصف ساعة من موعدها .

وفي شهادة نشرت سابقاً بهذه الصحيفة اشار وزير خارجية نميري د. منصور خالد، الي ان الحركة قد استولت قبل وصولنا علي العديد من المواقع بسرعة فائقة حين حاصروا القوات الموجودة في القيادة العامة للجيش، الا انه نوه بان الحماس الطاغي الذي ابداه الجيش في مجابهة حركة 1976م يعزي الي تحدي مجموعة مدنية غير نظامية لجيش نظامي له كرامة وشرف عسكري، وذكر بانه لم ينج من النميري والوزراء المرافقون له ” وكنت واحدا منهم ” الا لوصول طائرتنا قبل نصف ساعة من الموعد المقرر، مما ضاعف من ايمان الرئيس بوسطائه السماويين، وحينها استولي قادة الحركة قبل وصولنا علي العديد من المواقع بسرعة فائقة كما حاصروا القوات الموجودة بالقيادة العامة للجيش، فيما ترجع نجاة النميري ومن معه لسببين اولهما وصول طائرته قبل الموعد المقرر، وثانيهما تأخر السرية في الوصول للمطار اذ وصلت بعد مغادرة الرئيس نميري .