«الصحافة» تكشف تفاصيل وخبايا تجارة البشر (2) … السيـــــر باتجـاه المـــوت

25-07-2016-03-6

شباب في مقتبل العمر تحفهم المخاطر من كل جانب بعد أن شحنوا دواخلهم بضرورة الهجرة إلى أي من دول أوروبا أملاً في الخروج من عنق زجاجة الضغوط الاقتصادية وما يتبعها في بلدانهم، يلفظ بعضهم أنفاسه في الطريق دون علم ذويه بمغادرته الفانية، والأدهى من ذلك أن أمر رحيلهم يظل طي الكتمان، فالغالبية العظمى تطويهم رمال الصحراء، فيما يتم تدوين بلاغات في دوائر الشرطة في أحيان نادرة. فالقائمون بأمر التهريب لا يطالبون بأوراق ثبوتية او مستندات ثبوتية تثبت هويتهم، ويظل الأمر متروكاً للأقدار، أما الذين يواصلون الرحلة مجهولة المصير فيتعرضون لأشكال مختلفة من الضغوط حتى أن أعداداً منهم يقتادون للعمل سخرةً في مناجم الذهب بالنيجر..

حنان كشة

تحقيق: حنان كشة

دوافع وتحايل
شابة في مقتبل العمر اقترنت بشاب سوداني هاجر إلى إحدى الدول الأوروبية منذ سنوات زادت عن الخمس سنوات لم يحالفها الحظ في اللحاق به عبر الإجراءات الرسمية المتبعة في مثل حالتها وتكرار الأمر، فلم يجد ذووها بداً من أن يتخذوا طرقاً غير مشروعة بلجوئهم إلى مكتب محترف يعالج مثل ذلك الموقف، وتم الأمر بعلم والد الزوج في معزل عن ذوي الزوجة بمقابل مادي يزيد كثيراً عن المبلغ المالي المطلوب للسفر عبر اللجوء إلى مهربي البشر.
وفي عام 2015م وقع حادث حركة لعدد من البنغاليين كانوا في طريقهم إلى دولة ليبيا لقي اثنان منهم حتفهما وأصيب آخرون إصابات خطيرة، ويحكي الواقع لجوء كثير من الشباب السوداني لعصابات تهريب البشر ليتمكنوا من الهجرة بطرق غير شرعية، حيث أن عدم توفر الأموال اللازمة لسفرهم عبر الطرق الرسمية يشكل سبباً لكن غير أساسي، حيث أن العديد منهم يطرق أبواب سفارات الدول التي ينوون التوجه إليها دون أن يتحقق مبتغاهم، اضافة الى اسباب أخرى أبرزها صعوبة الإجراءات الرسمية المتبعة في ظل وجود إمكانات مادية المسبب الأقوى. وأشار متحدثون للصحيفة إلى أن جريمة تهريب البشر مركبة تتضمن جرائم أخرى، فيما تعمل بعض وكالات السفر والسياحة بالتحايل على الإجراءات بتزوير المستندات الرسمية باستخراجها من الجهات المعنية داخل البلاد لتمكن العميل من السفر حال سداده مبلغاً يتم الاتفاق عليه، ومازال الأمر قيد المتابعة والتحري من وزارة الداخلية.
وأوضح مصدر ذو صلة فضل حجب اسمه، أن سفارات الدول الأوروبية تضع أولويات لطالبي العلم في تخصصات علمية محددة أو أن يكون الشخص في وضع مادي متميز حرصاً على إثراء مجتمعاتهم باقتناء الخبرات وعدم زيادة مشكلاتهم.
عين على الواقع
الوكالات العاملة في تنفيذ إجراءات سفر الأجانب وغيرهم إلى دول الغرب بشكل عام تجني أرباحاً طائلة مقابل إنجاز تلك المعاملات، حيث أنه بإكمال إجراءات خمسة بنغاليين على سبيل المثال، وإذا كان الواحد منهم يكلف الوكالة خمسمائة دولار، فإن الأرباح التي ستجنيها الوكالة لاحقاً ستزيد عن ذلك أضعافاً مضاعفة، وهناك حسبما يقول محدثي شركات يتم تأسيسها من الأساس حتى تتمكن من إدخال أجانب أبرزهم القادمون من دول جنوب شرق آسيا، وهنا يقوم منشئ الشركة بإنشاء وكالات وفي الغالب تكون وهمية ليس لها مبنى وليس لادارتها هم سوى جني الأرباح المادية، لتتولد عن ذلك مشكلة كبيرة، ويكشف محدثي أن وكيلاً لهم يدعى داؤود في العقد الخامس من العمر كان يسكن في منطقة الجريف، جمع أموالاً طائلة بعمله تحت غطاء شركة وهمية وعاد أدراجه. ويقوم داؤود بترغيب البنغاليين في الهجرة إلى أوروبا، ويعلمهم منذ البداية أن عليهم القدوم بجوازين أحدهما يضعه داخل حقيبته وآخر يحمله ويكمل به إجراءات دخول السودان، ويقوم الوكيل «داؤود» بتكملة إجراءات المستقدمين بشكل سليم، ويجمع جوازتهم بعد ذلك ويخبرهم بأن مهمته انتهت بعد أن أمن نفسه، حتى إذا ما تم إلقاء القبض عليه لاحقاً يبرز الجوازات التي يمسك بها للجهات الرسمية، ويبدو كالمتفاجئ، في حين أنه دبر كل السيناريو مع الطرف الآخر، ليتجه الذين تم استقدامهم إلى مهربي البشر ويدفعون لهم مبالغ كبيرة نظير تهريبهم إلى أوروبا عبر ليبيا.
في الغالب لا يقبل الشباب السودانيون على الهجرة بالطرق غير الشرعية إلا بعد استنفاد كل الفرص التي تمكن الواحد من السفر عن الطريق الرسمي. وتفاصيل ذلك أن أولئك الأشخاص يقدمون طلباتهم لسفارات الدول التي ينوون التوجه إليها، لكنها تمتنع عن تحقيق مبتغاهم، ويبدأ التحايل حيث يلجأ البعض لمزوري الأوراق الثبوتية باستخراج جواز سفر الشبه بعد إيجاد شبيه للشخص الذي يريد الهجرة، ويتم إدراج صورة ممغنطة ثم تتبع كافة الخطوات التي تقرها الجهات المسؤولة، وعادة ما تكون امرأة تريد السفر إلى زوجها والاستقرار بعد أن مضت سنوات طويلة دون تحقيق مبتغاها بسبب صعوبة الإجراءات الرسمية الروتينية، وعندما تصل لمرحلة اليأس تلجأ لذلك الخيار. وفي الاتجاه الآخر يلجأ عدد من الشباب للتحايل على أمر إبعادهم دوماً من قبل السفارات وإضاعة الوقت حسبما يتبادر إلى أذهانهم، مما يباعد بينهم وبين آمالهم، فيبدأون في السير في طريق آخرهم يمكنهم من تحقيقها.
دولة عبور
أحد المهربين يقول إن لديه «بضاعة» بخمسين شخصاً قادمة من دولة إريتريا عابرة البلاد في طريقها إلى ليبيا، وإن الرحلة كانت متابعة من قبله حتى دنقلا، اذ تم إلقاء القبض عليها، ويحكي أن ذلك كبده خسارة فادحة جداً، وهذا يحكي بجلاء أن تهريب البشر يعتمد بشكل أساس على التعامل مع البشر على أنهم تجارة بحسابات الربح والخسارة. ويبدو ذلك بجلاء أنه إذا اكتشفت الجهة التي تقوم بأمر التهريب أن هناك شخصاً يعاني من مرض خطير، إما أن يمتنعوا عن ترحيله أو يلزموه بسداد قيمة مادية أكبر ليتم ترحيله مع المجموعة حتى يتم توفير ما يحتاجه من عناية ونحو ذلك. وهنا أيضاً يلاحظ أن تكلفة ترحيل المرأة يزيد عن تكلفة ترحيل الذكر بسبب ارتفاع تكلفة احتياجاتها، وقد يرتفع حاجبا الدهشة لدى القارئ ويطرح سؤالاً مفاده هل هناك نساء يطرقن أبواب الجهات القائمة على تهريب البشر؟ وتجيء الإجابة من المصدر الذي فضل حجب اسمه والذي طرحت عليه الصحيفة ذلك التساؤل، بقوله إنه توجد أعداد كبيرة من النساء يتوجهن إلى شمال أوروبا أملا في تحسين أوضاعهن يتدفقون من دول عديدة أبرزها إريتريا وإثيوبيا والصومال، لكن أعداد اللاتي يرغبن في الهجرة على ذلك النحو ممن يحملن الجنسية السودانية قليل جداً مقارنة بأعداد الأخريات وغالبيتهن من القبائل المشتركة بين السودان ودول شرق إفريقيا المتأثرات بثقافة الدول الأخرى، فيما تلجأ القليلات من السودانيات للهجرة بتلك الطريقة حرصاً منهن علي اللحاق بأزواجهن الذين قادتهم الظروف للبقاء بإحدى دول أوروبا ولم يتمكنوا من تكملة إجراءات زوجاتهم بالطرق الرسمية.
ووفقاً للمصدر الذي تحدث للصحيفة وفضل حجب اسمه، فإن السودان دولة عبور للجريمة بأشكال مختلفة، وبصفة خاصة في ما يتعلق بتهريب البشر، فنسبة السودانيين الذين يلجأون لذلك الخيار قليلة جداً كما ذكرنا سابقاً.
خيار العودة
برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج المدعومة يسهل العمليتين للذين عجزوا عن البقاء في السودان ويرغبون في العودة لبلدانهم الأصلية، أو للسودانيين الذين يعيشون في بلدان أخرى ويرغبون في العودة للسودان، وبذلك يقدم البرنامج حلاً دائماً للمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل والمهاجرين غير المنتظمين وضحايا الاتجار بالبشر وطالبي اللجوء الذين رفضت طلباتهم، ففي عام 2015م أعانت المنظمة «260» سودانياً ينحدرون من «16» بلداً على العودة الطوعية لأوطانهم، وبلغ عدد المصريين بينهم ما يزيد عن نصف العدد «216»، بينما عاد ما بين «10» و «25» سودانياً من كل من اليونان وأندونيسيا وهولندا والنرويج والسويد بجانب أستراليا وبلجيكا والدنمارك وأستونيا وفنلندا وإيطاليا وليبيا وجنوب السودان وسويسرا وتونس، وساعد التمويل الذي قدمته تلك البلدان «161» عائداً على تلقي حزم مساعدات إعادة الإدماج، وعند وصولهم البلاد استقبلتهم المنظمة وساعدتهم في استخدام حزم إعادة الإدماج لتمكين الأفراد والأسر من بداية الحياة مجدداً في بلادهم.
الاقتصاد في خطر
تهريب البشر يؤثر على اقتصاد الدول، حيث أن تحويل المبالغ المالية لإكمال المهام الموكلة للأفراد الذين يعملون في تهريب البشر عن طريق الصرافات غير الشرعية، أي التي تقوم بإدارة أعمالها عبر معاملات ملتوية، مستفيدين من فارق العملة بين الدول، وهنا تفقد الدولة عمولة التحويلات، وذلك تعكسه أحداث كثيرة بينها أن أحد الذين يعملون في تهريب البشر ألقي القبض عليه، وبتفتيش الحقيبة التي كان يحملها تم العثور على مبلغ مالي تصل جملته إلى أربعة وستين ألف دولار، وهي كمية من ملايين الجنيهات بالعملة السودانية.
مشكلة تهريب البشر بدأت تتفاقم وتدخل فيها وكالات الاستقدام باعتبارها لاعباً أساسياً، وتساعدها الجهات الرسمية بقرارات صادرة عنها دون أن تعي خطورة ذلك، فالزيارات الميدانية للوكالات تم إيقافها تشجيعاً للمستثمرين، ليفتح الباب واسعاً لمخالفات عديدة، وذلك ما سنقف عنده في الحلقات القادمة باستنطاق وزارة الداخلية، كما أن الباب يفتح كذلك لدخول حركات الإسلام المتطرف وبينهم حركة «داعش».
«نواصل».