لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء

422– يتصف البعض بصفة لا تستطيع تكييفها ، ولا معرفة لونها ، أو شكلها ، بسبب أنهم ينفون اليوم ما أثبتوه أمس ، ويخالفون اللحظة ما اتفقوا عليه قبل لحظة ، وهذه من السمات القبيحة ، والخصائص الدميمة ، والأخلاق التي لا تأمن لها جوانب ، ولا تثق في أي إتجاه لها من الإتجاهات .
– ويحضرني في هذا المقام العدد الكبير من الأمثلة والنماذج ، ولكن النموذج الأوضح ، يتمثل في ما يدور بين الحكومة وما يسمى قطاع الشمال الحركة الشعبية ، فهؤلاء يدعون بأنهم مع إقرار السلام ، والتداول السلمي للسلطة ، وفي ذات الوقت يتكئون في منطقهم هذا على استخدامات للسلاح المادي ، ويملأون أفواههم بكلمات الإقصاء ، والعنجهية ، ويدعون عبثاً بأنهم مع إقرار النظام الديمقراطي ، بينما تفصح تصريحاتهم وبياناتهم بالعنجهية ، وتتلطخ أياديهم بدماء الأبرياء ، وتكشف ملامح وجوههم بأن لديهم رغبات كامنة تفوح بريح الانتقام ، وسوء الطبع ، وفساد الطوية .
٭ وطبيعة توجهات المنافقين ، وخصائصهم تنزع نحو اللون الأبيض فإذا اقتربت منهم زاغت نحو الأسود ، أما إذا وجد المنافقون بيئة تميل نحو الاخضرار ، وتنبعث في أرجائها علامات الحياة ، وطبيعة الحركة التي يتصف بها الأحياء ، لم يترددوا نحو تحويل هذا الاخضرار إلى لونٍ قانٍ ، وأحمرٍ فاقع ، وهذا يذكرني بما يتصف به الفكر الشيوعي ، وذلك الذي نصبت في عهده المشانق ، وأُنشئت المقاصل التي أُعْدِمَ في ساحتها الشرفاء والعلماء .
٭ والشيوعيون ، في بلادنا لم يتجرأوا يوماً للدعوة للإلحاد  ، أو الجهر بأن الدين أفيونٌ للشعوب ، ذلك لأنهم يعلمون بأن مثل هذه الشعارات والمبادئ الإلحادية ، لا تجد لها نصيراً في بيئة مغموسة ومعطونة بقيم الدين ، وصفات التدين ، لكنهم بدلاً عن ذلك لا يكفون من إطلاق كلمة الرجعية على المتدينين ، وأنصار الدين بحسبان أن هذه الكلمة ، هي القادرة على جذب الشباب نحو المتع الفاجرة ، والحريات المتجاوزة للحدود في شكل إباحيات ، هي بمقياس الدين تمثل النقيض مقابل النقيض.
٭ وأذكر بأن بعض الشيوعيين في بلادنا ، كانوا من أجل إبعاد الدين عن السياسة ، يروجون إلى أن أهل التدين الحق ، هم الذين لا يهتمون بالشأن العام ، ويحصرون الدين في عباداتهم وأذكارهم ، باعتبار أن السياسة وإدارة شأن الأمة هي الجوانب الملوثة للدين ، والمنافية لطبيعته ، وهكذا أراد الشيوعيون أن يجعلوا من الدين أمراً بعيداً عن حياة النَّاس ، ولا يتدخل في تعاملاتهم ، وعلاقاتهم ، بأدنى قدر من التدخل ، أو الصلات .
٭ والذين يدعون بأنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، بظن أن ذلك استقلالاً ، وانعتاقاً من الانحياز ، فإنهم بهذا المسلك يمسكون العصا من المنتصف ، وكان عليهم أن يدركوا ، بأن هناك حقاً ، وهناك باطل ، وهناك هدى ، وهناك ضلال ، وهناك استقامة ، وهناك انحراف ، ولا ينبغي عندئذٍ لأحدٍ صادق أن يقول دعوني أن أكون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فهذه دعوة إلى طريق النفاق هي الأقرب .