اتفاق مع مركز بريطاني لعلاج الفشل الكلوي بالصمغ .. هل يعيد الصمغ العربي العلاقات الاقتصادية بين السودان وبريطانيا؟

15-10-2016-08-6منذ عامين تقريباً أبدت السفارة البريطانية بالخرطوم اهتماماً ملحوظاً بسلعة الصمغ العربي حيث قام السفير البريطاني السابق المستر «كيبر» بزيارة لولاية القضارف باعتبارها إحدى الولايات المنتجة للصمغ العربي وقد قام السفير بهذه الرحلة في معية وفد سوداني، تقدّمه د. عبد الماجد عبد القادر الأمين العام لمجلس الصمغ العربي، عبر سهل البطانة في أعقاب خريف ذلك العام. الأسبوع الماضي قام المستر ميشيل آرون السفير البريطاني لدى الخرطوم بزيارة إلي مجلس الصمغ العربي أطلع خلالها على المجهودات التي يبذلها السودان في مجال توسيع رقعة الغابات للحفاظ على البيئة وإنتاج الصمغ العربي، ووعد السفير بالنظر في المصاعب والعقبات التي تقف في طريق هذه السلعة وإنسيابها إلي أوروبا عموماً وبريطانيا على وجه الخصوص. وكشف د. عبد الماجد عبد القادر الأمين العام لمجلس الصمغ العربي لأول مرة لهذه الصحيفة أن المجلس كان قد وقع إتفاقية مع أحد المراكز البحثية في بريطانيا للاشتراك في البحث العلمي الخاص باستخدام الصمغ العربي لعلاج الفشل الكلوي وهذا البحث يقوم به عشرة من أشهر أطباء الكلي في السودان يقابلهم عشرة أطباء بريطانيين مع الاستعانة بأربع مراكز لغسيل الكلي في السودان وذكر د. عبد الماجد أنه من أصل اثنتي عشرة شركة سودانية تعمل في مجال الصمغ العربي خمس منها توجه اهتمامها وصادراتها نحو بريطانيا. وإذا نظرنا إلي تاريخ ارتباط سلعة الصمغ العربي بأوروبا نجد أن السودانيين كانوا يصدرون هذه السلعة منذ قديم الزمان عبر الموانئ العربية إلي أوروبا. وزادت أهمية الصمغ العربي مع بداية الثورة الصناعية في أوروبا وكان من الضروري استخدام هذه السلعة في صناعة الأغذية والمشروبات وهذا ما أدي إلي استعمار أفريقيا للبحث عن المواد الأولية مثل الكاكاو والقطن والصمغ والفول والسمسم والذرة والعمالة أيضاً وتنافست دول أوروبا الغربية على استعمار القارة الأفريقية. ويقول الخبراء إن الصراع بين هذه الدول هو الذي شكّل خريطة أفريقيا بل ذهب بعض المؤرخين إلي أبعد من ذلك وقالوا إن الحربين العالميتين الأولي والثانية كانتا بسبب الصراع على المواد الخام وعلى حدود الدول المنتجة لها. وعندما أنشأت بريطانيا خزان سنار لري مشروع الجزيرة وفرت الضمانات اللازمة لتشييد الخزان برهن منتجات الصمغ العربي على حد قول د. عبد الماجد عبد القادر الأمين العام لمجلس الصمغ العربي، وكان الصمغ هو الرافد الرئيس لخزانة حكومة السودان «البريطانية» ولهذا السبب كان الوكلاء المحليون لمنتجات الصمغ العربي فروعاً لشركات بريطانية مثل شركة بوكسول وشركة بيطار وآخرين. في فترة الستينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي كانت بريطانيا تستورد من السودان كل ما يتاح من الصمغ العربي والذي يمثل 85% من إنتاج العالم ثم تعيد توزيعه إلي باقي الدول بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الواردات. ونظراً لأهمية الصمغ العربي فإن الاستعمار البريطاني اهتم بالغابات في السودان بحسبانها مصدراً للصمغ العربي وأوكل إدارتها إلي «خواجات» بريطانيين ثم ابتعث كثيراً من الكوادر السودانية إلي بريطانيا للحصول على الشهادات العليا في هذا المجال. ثم إن بريطانيا أقامت مصانع لمعالجة الصمغ العربي وتصنيعه وإعادة توزيعه «بالقطارة» على باقي دول العالم الأمر الذي مكنها من احتكار هذه السلعة. ومنذ الخمسينات من القرن الماضي استعانت حكومة السودان «البريطانية» بمراكز الأبحاث والجامعات البريطانية لتطوير الصمغ العربي. تدهورت العلاقات التجارية بين السودان وبريطانيا في عهد الرئيس نميري والذي كان قد اتجه إلي التعاون المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية هذا إضافة للتطور الذي حدث في مجال النقل الجوي والبحري والذي أدي بالضرورة إلي تقريب المسافات بين السودان وأمريكا وبالتالي ارتفعت معدلات التعامل المباشر بينهما على حساب الشركات البريطانية كما تطورت صناعة الصمغ العربي في دول أوروبا الأخرى خاصة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكان ذلك أيضاً على حساب بريطانيا. حالياً تستورد بريطانيا من السودان حوالي عشرة آلاف طن من الصمغ العربي ويصل عائدها ما بين 20ـ30 مليون دولار في العام. حدثت في أوروبا قفزة نوعية في صناعة المشروبات الروحية وهذه الصناعة تحتاج أيضاً إلي الصمغ العربي كمادة فعالة وحافظة للنكهة ومجانسة للسوائل وهذه الطفرة في صناعة المشروبات الروحية اتخذت من فرنسا موقعاً رئيساً ومن ألمانيا وإيطاليا موقعاً مناوباً وبالتالي زاد الطلب العالمي على سلعة الصمغ العربي بعد معالجتها في الأسواق الأوروبية. ومن المعروف أن مستوي التحوطات الصحية في أمريكا أو في أوروبا يحتاج إلي معايير عالية الدقة لا تتوفر في الدول الأفريقية وهذا ما جعل الصناعات المتطورة في هذه السلعة تتخذ من أوروبا موقعاً وسطاً. من المؤكد أن الصمغ العربي الذي يعتبر مادة لاصقة ربما يكون هو اللاصق الوحيد للعلاقات بين السودان والغرب في ظل الخلافات السياسية الجارية الآن، وسيظل الاعتماد على السودان كبيراً نظراً لأن السودان يمتلك ثلثي حزام الصمغ الأفريقي من حيث المساحة كما يقول د. عبد الماجد عبد القادر ويسيطر على 100% من ثقافة الإنتاج وما ينتجه الآن لإمداد 85% من احتياجات العالم يعتبر أقل من 10% من إمكانياته المتاحة في الصمغ وذلك إما بسبب قلة العمالة أو ضعف التمويل أو الترتيبات الإدارية الأخرى وستظل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص وكل دول أوروبا الغربية بما فيها بريطانيا تحتاج إلي الاعتماد على السودان لإمدادها بهذه السلعة الحيوية كما تحتاج أوروبا وأمريكا إلي الأنواع الأخرى من الصمغ والتي تتوفر أيضاً في السودان مثل صمغ القوار والكاكموت وصمغ اللبان وصمغ الترتر. العلاقات السودانية البريطانية علاقات قديمة وآن الأوان لعودة العلاقات الاقتصادية بين البلدين أكثر قوة فكلاهما يحتاج الآخر وهنا لابد من الإشادة بمجلس الصمغ العربي الذي يقوم بمبادرات جيدة ومرموقة لرتق علاقات السودان بدول أوروبا الغربية وأمريكا.