ثــلاثيــات

د. بركات موسى الحواتي

17-10-2016-03-10(1)
الثلاثية الأولى: السرد الجميل: إرهاصات، مقدمات وعناوين!!
٭ لكل جيل نكهته وخصائصه التي تفرضها ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية: ولأجيال الوطن التي تعاقبت بعد معركة كرري في 2 سبتمبر 9891- تفاوت- في الرؤيا- والمنهج والوسائل- ولكنها اتفقت على أطلاقها – على الوطن- فلم يتجاوزوه.
٭ كتب ( حيران) بدايات القرن العشرين- في ألواحهم- بعد أن يمسحوا ما عرضوه على شيخهم، كثيراً- مما تجيش به عقولهم ونفوسهم- الوثابة سجلوا شيئاً من الشعر الركيك مما حسبوه عيباً فأخفوه عن الناظرين.. خوف الوشاية.. وما يترتب عليها من (دق).
٭ (لحيران) ذلك الجيل مخزون- من الأدبيات الدينية وبعض ملامح غامضة عن تاريخ- ما قبل الحضور العربي الإسلامي- فقالوا (العنج)- ولم يضعفوا من قدراتهم الفذة- في الحكم والإدارة والفن والاقتصاد والحرب- غير كونهم- طوالاً- عمالقة- ولهم آبار من أحجار دائرية عميقة المدى!!- أحترف الجيل أيضاً- بطولات الثورة المهدية- وشهد بعض ذلك الجيل- بما احتشد في نفس أهله- من قهر المهدية.. فقالوا: أنتو قايلن الدنيا مهدية.. واستطاع الكاتب السوداني الجريء حمور أن يعكس ذلك في أقتدار في روايته (أشواق الدرويش).. وهي عمل إبداعي ممتاز لا يستدعي زعل أهلنا الأنصار.. وكان الأجدى أن قولوا تقديمها ـ على أحد منابر الثقافة! ففي الإبداع خيال وحقيقة ونصف حقيقة وبعض وهم رغب بعض ذات الجيل عن علاته مصر.. بسبب عدم التفريق بين من حكموا مصر. من سلاطين الخديوية.. وبين شعب مصر.. ورددوا ما بين طيات ـ حروفهم ـ الحُمرة الاباها المهدي.
وذهب آخرون ـ من نفس الجيل ـ إلى عشق مصر شعباً وملكاً وكان علم اللواء الابيض بكل سحناته السودانوية.. يحمل هلال مصر.. وهو شوق كبير نثره شعراً.. خليل فرح فردد ومن معه.. نحن ونحن الشرف الباذخ!!
ومازالت مصر.. في وجدان وعقل كثير من أهل السودان للأجيال في تعاقبها.. حيوية وتواصل وازدهار. وفي غياب التواصل يتراجع الابداع.. ويهوى الخيال.. ويندثر الأفق.. وحينها تحكم القرون الوسطى.. بكل محاكم تفتيشها وينسلخ النهار عن وهجه الوقاد!! وحينها أيضاً يستدعي بعض ذلك الجيل- وفي تأوه ـ ذلك الزمن الجميل.
(2)
17-10-2016-03-9٭ أرتبط ابداع جيل الثلاثينات بالوطن شعراً وغناءً ومسرحاً ألهب عشق الوطن.. في دواخلهم جمر الفداء.. ما ارتضوا هوانه ولم ينشغلوا بغيره.. فكانت الحكمة اعتداداً ومصادمة.. ومازال لحروقهم شوي.. ودوي نحاس .. يخترق الزمان ويتجاوز المكان لينادي:
٭ في الفؤاد ترعاه العناية
٭ سوداني الجوه وجداني بريدو
٭ عزة في هواك نحن الجبال
٭ لايقاع الجيل وضوح باتجاه الثقافة العربية الإسلامية فكان القرآن سبيلاً للبلاغة والبيان.. وللأحاديث النبوية سحر تعوذها الخلاق.. ولالفية ابن مالك قوتها.. وللنحو ضوابطه، ونسجوا من كل ذلك ثقافة وعي وجمال.. كانت المرأة عنواناً جليلاً لسطوة العيون.. وطهارة النفس.. وخرائط البدن.
أبو صلاح والعبادي وسيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن وخليل فرح والأمي والعمري والمساح.. ومن التابعين عبد الرحمن الريح بكوا بكاءً مراً.. وحذقوا مناحات السفر.. وليالي الأنس!! وما استجم وجدانهم أبداً .. شكلوا في أفق الحياة.. وجعاً فريداً.. حتى ارتسمت خلجات النفوس، شعراً ووصالاً وبعداً.. ومازالوا.. يبدعون الناس عشقاً.. وما زالت الأجيال.. تطرب.. فيا عجبي.
٭ وفي جانب الشاطيء الآخر ملأت الهتافات فضاء أم درمان
– ناس جماعة ابروث (خضز حمد)
– ناس حلة الهاشماب: عرفات محمد عبد الله- والاخوين عشري الصديق ومعاوية نور.
– الأشقاء: الأزهري وحسن عوض الله يحيى الفضلي.
– الأنصار والمستقلين: أمين التوم ومحمد أحمد محجوب.
– الختمية: أحمد السيد حمد ومحمد عبد الجيد.
– ناس الجهة المعادية للاستعمار حسن الطاهر زروق.
والاخوان المسلمين صادق عبد الله عبد الماجد.
(3)
17-10-2016-03-8٭ وحين.استدارالزمان لتعلن نخب السودان وسط ظروف معقدة الاستقلال كانت بدايات جديدة لعناوين جديدة قد بدأت تنهل من ثقافة العرب.. قراءة ودروساً علمية في كلية الخرطوم الجامعية ليجيء من قلب (البراكس) بعض رموز المرحلة:
– صلاح أحمد إبراهيم- علي المك- الحسين الحسن.
ومن قلب مصر.. وحركتها الوطنية وفي أوج قوتها ومن رحم الليبرالية المصري واليسار المصري.. يولد.
– الفيتوري- محي الدين فارس- وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن.
٭ امتزجت المراحل.. فكان صراع السياسة مدخلاً للابداع ولم يكن سؤال من نحن بعيداً عن جموح الجواد الأسمر حين عادت سنوات التكالب.. أن ترديه.
٭ قالوا نحن العرب.. وعادوا ليقولوا.. نحن عرب العرب.. وقالوا نحن الهجين!! ورددوا بعض عذابات انتماء جيل ما بعد دراما كرري في 2 سبتمبر 9891.
وتقدم بعض الشباب فاستعادوا ذاكرة الهوان الثقافي والعرقي.. فرفضوا الانسياق الأعمى دون تدبر في حركة التاريخ والجغرافيا والأحداث.. ومن ذلمك الرهق رفد النور عثمان أبكر الناس بقناعاته الوضيئة.. كان عنواناً مهماً لدمدمة الغاب وأهازيج السحر والكجور.
وتراخى آخرون على وفاق عاجل سموه بالغابة والصحراء.. وهي مدرسة نادى بها من قبل المفكر الافريقي ليوبلد سنغور وله في ذلك توثيق بالفرنسية (الرجل كان رئيساً لدولة السنغال وكان للغابة وللصحراء- فيما نادى بعضاً من أعمدتها.. نداءات (هبشت) لب الشباب آنذاك بوعد قادم .. كاتب العودة لسنار لمحمد عبد الحي جديداً مترعاً.. بالاصنام والمدائح والأساطير.. والغموض والسؤال.
ومازالت زنجباريات ود المكي.. وغناؤه الممداح.. بعض أهوال جيلنا.. ومازال الرجل حفياً بالوطن!!
ولأن التاريخ لم يكن بعيداً عن المسألة.. أطل بعانخي وتهراقا وانلاماني.. وامان شيختي.. فأكتملت دائرة السؤال الممعن بالخطورة حين أعلن ابادماك احدى الالهة المروية عن حضوره.. أقترح الاسم عبد الله جاه.. وكان استاذي عبد الله علي إبراهيم راغباً للعودة للاصول المنسية.
٭ وفي غمرة إرهاصات اكتوبر 4691م وما بعدها ولدت كتابات العروبية الفكرية والإبداعية (بدر الدين هاشم- محمد حسنين الكيال) وغيرهم..
ولأن البلاد خصبة ونيلها يدفق بالنماء- وصحرائها تسبح الصبر.. وترفض الاستكانة وتعلن الرفض عواصفاً وزمهريرا وسموما.. فقد ترامى من شجر البلاد ثمر ناضج.
٭ قاسم عثمان نور وابو بكر خالد، وعبد المنعم أرباب «اين هو».. وعثمان الحوري وعثمان احمدون «من سنار»، وفاطمة اسحاق «شداد» وزينب بليل، وملكة الدار وبثينة خضر مكي ولتتوالى الخصب من الروَّع البهيج.
وكان لعنف المخاض دوره في المزيد من السرديات الصادعة والنزيف الحراق – فازدهت الرضية آدم هي تنعي القرشي «عريسا»ولأن للحياة قانونها الصارم.. فانها تثمر ومن رحم حروف الرضية تولد روضة الحاج. فدعوا رؤاهم عدد من كتاب هذا الجيل.
17-10-2016-03-11٭ البروفيسور عبد اللطيف البوني، والأستاذ الصادق الرزيقي والدكتور إبراهيم الصديق وغسان علي عثمان مارسوا الكتابة الصحفية ودون دخول في متاهات المناصب.. اسجل انهم ابتداءً أصحاب قدرات عالية – في الإبداع – وأزعم أنهم قد ضلوا الطريق تماما إذ أخذهم ربما التحليل السياسي أو ربما السياسة ذاتها بعيدا عن أفق الإبداع فمزجوا بين أهوائهم واخترقوا السياسة بالحرف النضيد.. وقد سكبوا على صفحاتهم عذابات التراجيديا وشجون الدراما.. ومضي البوني الى كوميديا المقال.
٭ انتقلت البادية عبر صفحاتهم إلى قلب الخرطوم والخرطوم ذاتها لم تخرج عن البادية التي تحضرت غصبا عنها حين افترضت أن بناء العمارات الشاهقة وامتلاك الأموال المعلنة وغير المعلنة – شيئاً في الحضارة وهي في ذلك مخطئة.. كل الخطأ.
٭ البوني.. بمفردة جوال.. شقّ.. طين الجزيرة.. من اللعوتة عبر المسيد والباقير. على بصات ومركبات اتاحت له .. اللقاء المباشر مع الناس فكان بعض دموعهم ووجعهم وبعض فرحهم.. وما زال إبراهيم عوض عنده يحنن الناس ويغير حالهم..
٭ الصادق الرزيقي: احتشدت في داخله كل دقائق نيالا وما حولها.. اعتقلت وجدانه وعقله.. وعنده اللوري بكل تداعياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. اسطورة تلهج بالمثير الخطير. في قلمه حيوية أزعم أنها أكبر من منصب رئيس اتحاد الصحفيين ورئاسته لتحرير جريدة الانتباهة.. وقدراته الأدبية تعبر بالفعل عن اولاد وبنات الأستاذ حسين خوجلي شطارةً وذكاءً وامتنان بالكتابة واحتفاءً بالمساجلة.
٭ غسان علي عثمان – أغرقه البحث عن جذور الأزمة الفكرية فمضى منقباً – في تأمل وتنقل.. حركة التاريخ والإنسان – والمت به غائلة الزمن الجميل من جيل الخريجين وما بعده.. فاعتقلت قدرته النفاذة على النقد الموضوعي.. ورأيت فيه معالم فكر يمضي دون وجل إلى التجديد والدقة.. بمنطق المقدمات التي تلد النتائج دون تدخل – إرادي او غير إرادي.. عزيزي غسان.. هل تعبر فضاء البركل إلى جدك بعانخي وترهاقا.
٭ إبراهيم الصديق: لم أعرف كتاباته بما فيها.. من وله عجيب بالبادية ما زالت القطعان عنده فرحاً والغزلان البرية والقيزان ولدغ العقارب والثعابين وبعض همهمات أمه وعمته وأخواله وأعمامه.. ونداء الحياة.
ماذا لو «هبشت» يا إبراهيم بعض شعر وقيم الهمباته.. أعود إن شاء الله لثلاثية الأغاني «وقد أتيح لنا شرف معايشة.. وجع مخاضها وميلادها.
– إلى مسافرة لعثمان خالد
– لو تصدق لعبد العزيز جمال الدين
– نفس الملامح والشبه لصلاح حاج سعيد