مُعَمِر سوداني … يظهر للعلن أخيراً ليحكي دوره في الحرب العالمية الثانية (1)

104 أعوام ومازالت الذاكرة حاضرة ومستودع الذكريات مزدحم

هو أحد الذين وضعوا بصمتهم في تاريخ السودان … وطوتهم صحائف النسيان

17-10-2016-06-3من عمق ديار الشايقية من قرية شِبا بمحلية مروي بالولاية الشمالية … خرج بطلنا إلى الدنيا .. أطلق صرخته الأولى في العام 1912م … والبلد لم تزل ملتهبة ولم تخرج من بركان التغيير وحركة التحول بعد نهاية الدولة المهدية وعودة الأستعمار من جديد .. نشأ بين بساتين النخيل السامق … وجروف الزرع الناضر … وأنغام الطمبور … وحكاوي الأماسي عن فاطنة السمحة التي كم عزف لها على الطمبور في الليالي المقمرة حتى تهود الليل وبانت نواجذ فجره … يحكي لنا عن طفولته وشغبه فيضحك كما الطفل الصغير حتى تغرورق عيناه … فتعجب في هذا الكهل المرح الذي كان أسداً هصوراً أوقف زحف جيوش أممية ..
في هذا الجزء الأول من سلسلة حواراتنا مع المقاتل السوداني الحاج محمد عطا عبدالفضيل نقف على أولى محطات حياته المتخمة بالعطاء

حوار و تصوير : راشد تاج السر عمر – الشاذلي الفنوب

* أنت مواليد سنة كم يا عم محمد ؟
– أنا ما عارف بالتحديد اتولدت متين لكن الأنا متأكد منو أني لما دخلت الجيش عمري كان 14 سنة .
* طيب دخلت الجيش في سنة كم ؟ و أين تم تدريبك ؟
– أنا دخلت الجيش في سنة 1926م و كان عمري وقتها 14 سنة و تم تجنيدي في قوات السواري في شندي و خلوني لمدرسة التدريب العسكري في وادي سيدنا في أم درمان وكان معانا من الضباط في مدرسة التدريب «عبدالله خليل» وبالصدفة لقيت ابن عمي «محمد حسن عبدالفضيل» و كان باش شاويش المدرسة وعرفني على «عبدالله خليل» .
تميت 30 يوما في التدريب وأتخرجت من المدرسة العسكرية و وحصلت بعدها على شهادة أني أبقى معلم عسكري ورجعت على شندي وهناك ضافوني للمدفعية وبقيت معلم في معسكر شندي وبحمدالله دربت مجموعة من العساكر على البيادة والسواري .

17-10-2016-06-6
* أشتغلت وين تاني بعد معسكر شندي ؟
– في بداية سنة 1930م طلع كشف تنقلات للجنود وأنا نقلوني للروصيرص وكان أركان حرب القوة «عبدالرحيم شنان» قضيت فيها فترة وبعدها اتنقلت لسنجة عبدالله وقضيت فيها فترة كمان ثم نقلوني منها للكرمك وكان اسمها (كرمك الزريبة) والوحدة العسكرية بتاعتنا كان اسمها (بلك كنجي دورية) ، من الكرمك اتنقلت على رأس قوة لجبل خارج الكرمك في الحدود بين السودان والحبشة قضيت فيه فترة وفي هذه الفترة تمت ترقيتي لرتبة شاويش وفي عدد من الصولات تمت ترقيتهم لملازمين لأنهم كانوا محتاجين لضباط وفي ناس أقل مني رتبة رقوهم قبلي عشان عندهم أقاربهم ضباط كبار والموضوع دا كان مزعلني شديد ، بعد داك تمت أعادتنا إلى سنجة عبدالله وفيها تم تدريبنا على نوع جديد من المدافع ووجدنا قوة قبلنا بيتم تدريبها كمان ، و بعد نهاية التدريب تمت إضافة القوتين إلى قوة واحدة فأصبح عددها 107 عساكر وبقيت أنا قائدها ورجعنا للجبل الكنا فيهو على الحدود مع الحبشة.
* الحصل شنو للقوة بتاعتكم في الحرب العالمية الثانية ؟
– بعد فترة بدأت أحداث الحرب العالمية الثانية وفي سنة 1940 صدرت تعليمات بتحريك القوات بتاعتنا من كرمك الزريبة إلى كرن للمشاركة في مقاتلة القوات الايطالية هناك ، وكانت في قوات جات من الهند وبريطانين وقوات كتيرة مشاركة في كرن ، المهم دخلت الحبشة بكل القوة المعاي وبكامل السلاح العندنا…
* السلاح الكان معاكم نوعه شنو ؟
كان عندنا مدافع رشاشة «برين» ومدفع «كروستاف» والأسلحة الشخصية الخفيفة.
* كنتم بتتحركوا بعربات ولا كيف ؟
– ابداً كنا بنتحرك بيادة على الأرجل .. ما في عربات ولا وسائل حركة.
* طيب و بعد دخلتوا الحبشة ؟
17-10-2016-06-4– دخلنا الحدود الأثيوبية وأتقدمنا لغاية ما وصلنا لمنابع النيل في المرتفعات الأثيوبية .. كانت منطقة في غاية الجمال .. آية من آيات الله في الأرض .. قضينا فيها فترة واتعديناها لغاية ما وصلنا منطقة اسمها الجكو، وهي منطقة فيها مستنقعات كبيرة امساحاتها واسعة جداً .. لقينا فيها الآلاف من التماسيح والحيوانات البرية المختلفة وكل الناس الكنا بنشوفهم في المنطقة دي عرايا لا يلبسوا ملابس .. وحاربنا فيها قبائل محلية كانت زي عيون للايطاليين بيجيبوا ليهم المعلومات ويخبروهم بحركة القوات ..وواصلنا التقدم داخل أراضي الحبشة لغاية ما وصلنا للأراضي البقت تتبع ارتريا اليوم ولغاية ما وصلنا إلى كرن ..
* (رجال قبائل محليين شاركوا في الحرب العالمية الثانية )
– هناك لقينا قدامنا قوات هندية بيحاربوا في الايطاليين وكان عندهم كمية من الموتسيكلات .. بعد وصلنا عرفناهم بأنفسنا وبعد كدا انضموا للقوة بتاعتنا وبقيت أنا مسؤول القوة كلها لأني كنت الأعلى رتبة .. بعد مدة جانا ضابط انجليزي برتبة لواء أسمه «بوستن» عشان يستلم القوة وأثناء هو ما بيسأل فيني عن المنطقة والقوات المعاي أبتدأ الضرب من ناحية الايطاليين فقام هرب وجرى وأختبأ خلف القوة .. أنا طلبت من كل القوة المعاي من السودانيين والهنود انهم ينزلوا على الأرض عشان الرصاص ما يصيبهم وبعد كدا سحبتهم على مجموعات .. خمسة خمسة .. إلى وادي منخفض وأتخذنا مواقع قتالية وبدأنا الرد على نيران الايطاليين .. في هذه الأثناء هاجمتنا قوات من القبائل المحلية من الخلف لدعم الايطاليين لكن قدرنا نردهم ونصد الهجوم بتاعهم .. ومشيت أنا عشان أعمل تمشيط للحتة الجات منها القبائل المحلية من جوه الوادي فلقيت أربعة منهم لسة موجودين لم ينسحبوا مع الباقين ففتحت فيهم نار مباشرة أصيب منهم اتنين وسقطوا على الأرض وأنسحب الاتنين الباقين .. وبعد كدا ركزنا الضرب بالرشاشات على القوات الايطالية الهاجمتنا لغاية ما تراجعوا لداخل مدينة كرن والساعدنا في ضرب الايطاليين أنو كان معانا مدفع اسمه «لويس» كان ليهو أثر كبير في تراجع الايطاليين ..
– و للحقيقة القوات الهندية قاتلت بشجاعة وثبتت ثباتا كبيرا في المعركة .. والضابط الانجليزي كان محتمي بحائط كبير قريب من الوادي في مكان مرتفع ، الحائط ده بناه المقاتلون المحليون عشان يستطيعوا مراقبة الوادي من مكان عالي وأصابته طلقة في الحتة الكان مختبأ فيها .. وبعد نهاية المعركة مع الايطاليين وانسحابهم أخرجنا الضابط من المكان الكان فيهو ، وكان في القوة مسعف هندي قام بمحاولة معالجة الضابط وأوقف النزيف بتاع الطلقة ، لكن ما كان قادر يتحرك مع القوة عشان كدا بعد تمت معالجته خليت معاهو ثلاثة عساكر حرس واتحركت أنا ببقية القوة ..
بعدها أتقدمنا ناحية كرن وكنا مواصلين الضرب وأنحنا متحركين لغاية ما دخلنا المدينة .. لما دخلنا المدينة لقيناها فاضية من الطليان بعد أن انسحبوا منها .. وأستلمت المدينة وكنت أنا أعلى رتبة في القوات الدخلت المدينة من ناحية الأراضي الأثيوبية وبعد عمليات التفتيش العادية عملت دوريات في المدينة وخنادق دفاعية لصد أي هجوم من الايطاليين على المدينة وعملت خطوط دفاع من ناحية الطريق المفتوح اللي يودي على أديس أبابا .. والطريق اللى يودي على السودان … أديس أبابا وقتها كانت كل البيوت من الأبلكاش والبوص ومحاطة بمستنقعات … و أى واحد يروح ناحية المستنقعات كان يغرق طوالي لأنها كانت مغطاة بالحشائش ، وأنا كنت مانع القوات بتاعتي أنها تمشي على ناحيتها … أرتكزنا داخل كرن فترة طويلة جدا كلنا القوات السودانية و معانا القوات الهندية ، وبعد كدا بدأ تحرك الخواجات الانجليز ومعاهم قوة دفاع السودان والهنود و مجموعات عسكرية مختلفة من الدول الكانت تحت الاستعمار الانجليزي في الوقت داك ، عشان يستردوا كسلا من الطليان .. بعد بدأ التحرك بتاعهم جات إشارة منهم أني أسلم كرن لضابط أنجليزي ما فاكر إسمو منو ، وأني أسيب القوة بتاعتي و أمشي أستلم قوة تانية في منطقة أسمها «الكفرة» في الحدود مع ليبيا … وفعلاً سلمت الضابط الانجليزي واتحركت عشان أنفذ التعليمات ولما وصلت كسلا وأنا في طريقي عشان أستلم موقعي الجديد في الكفرة قابلت اللواء «بوستن» في كسلا وكان إتعافى من الإصابة الاصيب بيها قبل دخولنا كرن .. و لما شافني أداني التحية العسكرية و كأني أنا أعلى رتبة منه ، و شكرني على الحرس السبتهم معاهو رغم قلة عدد القوة الكانت معاي و قال لي أنا ما حأنسى فضلك على أبداً …
الخواجات طبعاً ما كانوا عاوزين الفضل يرجع في تحرير كرن للقوات السودانية والهندية ، عشان كدا أستلموها مننا و نقلوني وبعد أنتهت المعركة الرئيسية مع الايطاليين أعلن الأنجليز مباشرة أنهم حرروا كرن.
من المحرر :-
يتضح في هذه الحلقة الأولى من سلسة حواراتنا مع الحاج محمد عطا عبدالفضيل عدة حقائق ، أولها حقيقة الدور الكبير الذي قامت به قوة دفاع السودان وإسهامها المقدر في تحقيق إستقلال السودان مقابل إشتراكها مع البريطانيين فى الحرب العالمية الثانية و خاصة الجبهة الأفريقية.
و ثانياً أن هذه الشهادة تفتح الباب واسعاً لمراجعة تاريخية كبيرة حول معركة كرن و التى وصفتها الادارة البريطانية العسكرية علي أنها لاتقل عن معركة ستلينغراد بل وأنها أقوي المعارك الحربية في عموم أفريقيا ، ما يستوجب هذه المراجعة ما ذكره الحاج محمد فى هذا الجزء من حقيقة أن كرن كانت فى أيدى البريطانيين بعد إستيلاء القوات السودانية و الهندية عليها بعد عملية الالتفاف التي قاموا بها من داخل الأراضي الاثيوبية و ربما أخفى الانجليز هذه المعلومة لحاجة في نفسهم وربما كذلك لإحداث زخم أكبر حول المعركة وحشد أكبر قوى مناصرة لهم في الجبهة الأفريقية أو لإحداث فرقعة إعلامية كبرى تصب في صالحهم عقب هزيمة إيطاليا.
وثالثاً يظهر جلياً الغرض الدنيء من قبل الإنجليز بعدم منح السودانيين أي فضل ينسب لهم في هذه الحرب ورغبتهم فى إستغلال الجهد الكبير الذي قام به هؤلاء الأبطال و ذلك من خلال أوامرهم للشاويش محمد بتسليم كرن لأحد الضباط الإنجليز ونقله إلى الكفرة قبل معركة مرتفعات كرن التي سبقت الدخول العلني للمدينة و إعلان الاستيلاء عليها.