معاش الناس وطرفة ( هو في طين )

480ما بين غروب الشمس وشروقها هوة سحيقة اسمها الاسعار التي تمسي على شيء وتصبح على آخر، هكذا كانت تفلسف النكتة المشهورة التقلبات الجنونية للاسعار، فحين وجد أحد الساخرين أن السلعة التي ابتاعها عشية الامس قد زاد سعرها صبيحة اليوم التالي أطلق عبارته التي سارت بذكرها الركبان ( يعني ما ننوم ولا شنو ) .. سلعة حتى قبل سويعات كانت بسعر فما الذي يرفع سعرها بين غمضة عين وانتباهتها إن لم تكن الغفلة والغفوة والاستغفال، غفلة المستهلك وغفوة الحكومة والاستغفال الذي يمارسه من يلعب في المساحة الفاصلة بين الغفلة والغفوة فيحرز الاهداف في مرمى الحكومة بإثارة قلقها و قبلها المواطن بإثارة غضبه ، وهكذا تحررت الاسواق من أي رقيب والاسعار من أي ضابط، وصارت الأسعار تقفز حسب المزاج وليس وفق آلية السوق، وأضحى الاحتكار والاكتناز فعلاً مشروعاً ، حتى أن بائع الازيار الفخارية المصنوعة من الطين ركب هوشة التحرير وانفلات الأسواق وزاد السعر بلا مبرر، وعندما سئل عن السبب لم يحر جواباً ورد ببديهة حاضرة استمدها من الحضور الطاغي لسياسة التحرير وقال إجابته التي جرت مثلاً (هو في تين )، بل حتى العزابة المساكين الذين كانت تسخر منهم المغنية وتعايرهم بأنهم مجرد أكلة فول وعدس ( تموتوا مغص يا العزابة تاكلوا فول وعدس يا العزابة )، العزابة الآن يجدون مشقة حتى في أكل الفول والعدس بسبب الزيادة المضطردة في أسعار المواد الغذائية الضرورية التي لا تحتمل أي زيادة تجعل من الحصول على لقمة العيش وجرعة الدواء وخدمات التعليم والصحة أمراً عصي المنال الا لذوي البسطة في المال…
إن مفهوم الحرية الاقتصادية وفلسفة اقتصاد السوق لا يعنيان وباعتراف سدنتها أن التاجر حر يمارس الاحتكار كما يريد ويضع الاسعار التي يريد، ولا يعنيان أيضاً أن ترفع الدولة يدها تماماً عن أي مسؤولية اجتماعية تجاه رعاياها، لا بد من تصحيح هذه الاوضاع غير الصحيحة بتنظيم الاسواق ومراقبة الاسعار ولجم التفلتات وضرب الممارسات التي لا علاقة لها بنظرية اقتصادية ولا صلة لها بأي دين أو شرعة أو شريعة، ولابد من إحكام الرقابة على الاسواق وحصر الاحتياجات وتحديد حجم الطلب..الخ، ولابد قبل كل ذلك من ضغط الانفاق الحكومي الى أقل مستوى ممكن وضبط المتاح وترشيد أوجه صرفه ، ولابد أيضا من تفعيل دور هيئة حماية المستهلك ورفع الوعي الاستهلاكي… أقول قولي هذا على خلفية ( ندوة معاش الناس ) التي عقدها البرلمان الأول من أمس واستغفر الله لي ولكم …