العدالة الاجتماعية هي نداء المستقبل

روبرت وليم اسكندر *

روبرت وليم اسكندر *

الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية توأمان لا ينفصلان ، فغياب احدهما يلغي الاخر ، أو هما كجناحي الطائر لا يستقيم طيرانه في الجو الا بهما معاً ، فيصير في الارض مكسور الجناح
وصارت الشعوب في الدول الغنية والفقيرة تنادي بهما معاً ، قد علت الاصوات بالتظاهرات في هذه الدول تطالب بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية كمطالب شعبية ، وحتى الشعوب ، في حالة الهدوء الذي يسبق العاصفة ، انما تسكن مؤقتاً عن تزمر لغياب الحرية والعدالة والذي تشهده معاشاً في حياتها ، وتتحين الفرص للثورة عليه.
والحرية تمثل في الكيان البشري العقل ، ويعبر عنها بحرية التفكير والتعبير والتنظيم ، كما تمثل العدالة في هذا الكيان الجسد بكل حاجاته من الكفاية المعيشية ، حيث لا يرضى الفرد بحد الكفاف الذي يضطره الى عار السرقة وذل السؤال وغياب العدالة الاجتماعية لا يعطي الحرية السياسية مفهومها السليم ، وقد قال علماؤنا الاقدمون بألا يستشار من ليس في بيته دقيق ، ويقول عامة الناس بألا قيمة للكلمة وصاحبها لا يجد اللقمة. وقال المفكرون ان حاجات المعدة مقدمة على حاجات المخ… اي ان العدالة الاجتماعية التي هي الكفاية المعيشية والتي تجئ من عدالة توزيع الدخل القومي تصير اكثر الحاحاً من مطلب الحرية السياسية ، فما بالك اذا غاب الاثنان معاً؟
ولكن زيادة الدخل القومي ، او الانتاج ، تسبق عدالة توزيع الدخل والانتاج. فكيف نزيد الدخل؟ وكيف نوزعه بالعدل؟ هذه هي الاسئلة الملحة التي سنعالجها في هذه الصفحات القليلة ، ونترك للباحثين تفصيلها وتبويبها ، وقبل هذا وذاك علينا ان نواجه الوضع الاجتماعي المختل الذي نعيشه ونعايشه ، وهو نشأة الطبقية في المجتمع ، او انقسام المجتمع الى اغنياء مترفون تتسع دائرتهم كل يوم وفقراء معوزون تتسع بؤرتهم يوماً بعد يوم.
نشأة الطبقية في المجتمع
هناك فرق بين الطبقة والطبقية ، ففي حين ان طبقة الاغنياء امر طبيعي كان في الماضي بالسودان وسيكون في المستقبل. اما الطبقية فهي ان تكون طبقة الاغنياء متسعة في المجتمع ومنعزلة معاشياً عن طبقة الفقراء بحيث تصحبها عدة ظواهر منها ان يكون التعليم مثلاً طبقياً والعلاج طبقياً ، والاحياء طبقية حتى الاسواق طبقية. ويكون التصاهر محصوراً بين طبقة الاغنياء ، فلا يتزوجون من الفقراء. وهذه اخطر الظواهر المحدودة لانقسام المجتمع ، وتفتيت تماسكه ، والاخلال بنسيجه الاجتماعي. فاذا وجدت مثل هذه الطبقية في مجتمع فهو مجتمع بعيد عن الاسلام حيث يمنع ان يكون المال متداولاً بين الاغنياء لا ينال منه الفقراء الا الفتات «لكيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم».
الاقتصاد الحر منبع الطبقية
تحرير الاقتصاد او اقتصاد السوق الجاري الان هو منبع الطبقية ، بحيث لم يعد القطاع العام «الحكومي» هو الذي يوجه الاقتصاد ويقود الحركة الاقتصادية ، وانما يتقلص دوره لتكون القيادة للقطاع الخاص ، بمعنى آخر خصخصة القطاع العام. وتترك للسلطة وضع السياسات والقوانين التي تنظم الاقتصاد الحر ولا تتدخل في مساره.
ونحن لا نريد عودة القطاع العام لقيادة الاقتصاد كما كان الوضع «الاشتراكي» الذين ورثناه من الستينات والسبعينات ، وانما نريد ان نضع الضوابط للاقتصاد الحر حتى لا ينفلت فيخلق اسوأ الظواهر ، وعلى رأسها الطبقية وتكون السياسات الاقتصادية هي توزيع الادوار بين القطاع العام والقطاع الخاص ، بحيث يقوم كل قطاع بما لا يستطيع ولا يليق ان يقوم به القطاع الاخر ومن هذه الضوابط الخدمات الاساسية والاجتماعية والثروة الطبيعية .
ومما يحسب كخصم للدخل القومي تفشي الفساد المالي والاداري ولمحاربته تتخذ الطرق التالية
من بينها استقلالية المنظمة الوطنية للشفافية وتعزيز صلاتها بالمنظمة العالمية للشفافية ، واستقلالية ديوان المراجع العام ، وانشاء هيئة للرقابة الادارية ، وذلك اسوة باستقلال الهيئة القضائية ، احكام الرقابة الداخلية لسائر مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع ، لتكون تصرفاتها المالية والادارية بحد النزاهة.
ولابد من اعادة النظر في استراتيجياتنا لعجزها عن اختراق اشكالية التخلف برأس سهم فقال يجر وراءه كل العوامل التي تستدعي التقدم ، وهو الغاية التي تجمع حولها الغايات الاستراتيجية الاخرى، كما هو يلبي تطلعات الدول النامية ، بناء على تجارب تشابهنا في القدرات والظروف قبل عقد من الزمان ذلك هو التحول من دولة نامية تدور حول الحلقة المفرغة للتخلف الى دولة صاعدة على غرار تركيا وماليزيا والبرازيل وغيرها ، والسودان يملك مقومات هذا التحول الذي يقوم على هذه الاعمدة.
وهذه الاستراتيجية تقتضي اقامة قطبيات تنموية عديدة بعدد مناطق الانتاج الزراعي والتصنيع الزراعي ، والمعدني والطاقوي ، وذلك كاطار للتحول الى دولة صاعدة.
خاتمة
عدالة التوزيع تستلزم زيادة الانتاج ، وكلاهما هو الوجه الاخر للعدالة الاجتماعية التي تعني تحمل العبء وتحمل نتائجه من السلطة والمجتمع سواء بسواء. وهذا وذاك يقتضي استراتيجية طموحة وواقعية على نحو ما طرحنا ، كما ان العدالة الاجتماعية تقتضي بيئة صالحة من الحرية السياسية توفر الاستقرار السياسي الضروري للتنمية الشاملة.
والله ولي التوفيق
_____
* الرئيس المكلف لحزب الحركة الشعبية جناح السلام