إدارة الشأن العام

422 } إن الذى يتصدى للقيادة، لا يحسبن أنها مهمة تشابه المتع الحسية بمثل الذي يتمتع عندما يتنـزه في الحدائق، ويشتم عطر الزهور، وبذلك تكسو وجهه الطلاقة، والبشاشة ثم يشعر بالنشوة تسري في جوانحه كما يتلذذ بمثل هذا الفعل المتفكهون والسياح.
} فالقيادة للشأن العام، من الوظائف المرهقة التي تجر وراءها متاعب جمَّة ومشاغل قاصمة للظهر، وقاضية على العمر في آن.
} ولقد قابلني صديق قديم، كنت قد زاملته في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ووقتها كنا طلاباً في عامنا الأول بالجامعة (برالمة)، وكان هذا الرجل في تلك الأيام شعلة من النشاط، ويتمتع ببسطة في العلم والجسم، لكني عندما رأيته وقد جمعتنا مناسبة عامة، لم أتعرف عليه إلا بعد أن تفرست في وجهه باستدعاء الصور التذكارية المخزنة في الخاطر، فدلفت نحوه محيياً، فلم يعرفني هو كذلك، لأن علامات الشباب قد ودعت ، أو كادت ، وأنَّ الحال لم يستمر كما كان، فالقسمات تغيرت، والمزاج تغير،وزحف الشيب، وتساقط شعر الرأس ، وكست التجاعيد الخدود ، والجباه.
} وكان استفساري الأول للصديق القديم، والزميل الجامعي أثناء سنوات السبعين من العام التسعمائة بعد الألف، لماذا صرت هكذا؟ وما هي الأسباب؟ ففاجأني بذات السؤال، قائلاً هكذا أنا ولكن ما بالك أنت؟.
} وعلى العموم، تسامرنا ، وقلبنا دفاتر الذكريات، وكان محور التركيز حول ما كانت تتضمنه ندوات الطلاب، ومحركات الثورة لديهم من مضامين وأهداف، لم تعد الآن كما كانت عليه تضرب الرقم القياسي بمقياس السمو والارتفاع.
} والرجل عندما دلف إلى محور حديثنا الأول، وسؤالي الذي ابتدرت به اللقاء، قال لي، لقد فعلت بي المسؤولية الأفاعيل، بعد أن عينت والياً لولاية لعدد من السنين، أجريت بعد إنقضاء تلك الفترة عمليتين بالعاصمة الأردنية، وهما عمليتان خطيرتان للقلب المفتوح.
} وياليـتـني تبت عن المسؤولية العامة، بعد أن منَّ الله علىَّ بالشفاء، ولكن رضيت بتكليف آخر لأصبح وزيراً اتحادياً لوزارة تختص بالبناء والتعمير وقضاء حوائج النَّاس ، وتوفير السكن لهم ليتقوا حرَّ الصيف، وبرودة الشتاء.
} ولم يتوقف الرجل، وهو يسترسل في رواية قصة تكليفه الأخير، وما أعقبه من مآسٍ وجراحات.
} أولها أنه أصبح لا يتمتع بأنس مع أسرة، وصار موضوعاً للوم من الأهل والأصدقاء والجيران، لتقصيره معهم، وعدم مشاركته لهم في الأفراح والأحزان.
} والمصيبة الأخرى انه بعد أن أعفى من الوزارة طاردته الفاقة، وعزف عن زيارته من كانوا معه في مجلس الوزراء.
} ومازال الرجل يسترسل معي ويحدثني حديثاً، شعرت أثناءه بأنه لم يعد طبيعياً، لأن كثرة الحديث بهذا الشكل الذي رأيت، علامة من علامات الخرف المبكر، والخروج من الشبكة كما تخرج الكثير من الجوالات (الموبايلات).
} ألم أقل لكم بأن المسؤولية العامة، عنصرُُ للقتل والرهق، وليست كما يظن البعض بأنها سياحة تجلب لصاحبها الإمتاع.
} ونصيحتي لمن يريد سعادة الدنيا وسعادة الآخرة أن يبتعد عن تولي المسؤولية العامة لأنها مجلبة للشقاء ، والإعياء ، وعزوف الأصدقاء ، وسخط النَّاس.