على ضفاف عنف البادية (2-2)

423(1)
خلال أحد المواسم الرمضانية في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي قدم تلفزيون السودان مسلسلا باسم (اللواء الابيض) تناول فيه تاريخ تلك الحركة وأقطابها وفي مقدمتهم البطل علي عبداللطيف. و قد أفصح ذلك المسلسل في إحدى حلقاته عن الاسم الرباعي الكامل بالإضافة إلى اللقب الذي اشتهر به في مدينة ام درمان شخص تواترت الاخبار والوقائع والوثائق على أنه الجاسوس الخائن الذي كان ينقل إلى السلطات البريطانية أخبار اجتماعات ونشاطات جماعة اللواء الابيض. وقد أثار ذلك حفيظة أسرة الشخص المعني فحركت ساكنها مهددة بأن تسوق من فضحوا اسم عميد أسرتها إلى القضاء، غير أن منتجي المسلسل استعصموا بموقف مبدئي ثابت وهو أن توثيق حقائق التاريخ غاية مستقلة تتضاءل أمامها الاعتبارات الأسرية والأهواء الشخصية.
وكنت اود لو ان حسن الجزولي نحى منحى أصحاب مسلسل اللواء الابيض وترسّم خطاهم في تقديم كل اسم حصل عليه في مسار بحثه المضني عن حقائق الأيام الأخيرة في حياة عبد الخالق ووثقه كاملا دون تعمية أو تظليل، و استغنى بذلك عن أسلوب الترميز والتشفير بالآحرف الأولى والإشارات المبهمة. والواضح أن المؤلف نفسه يشاركنا هذا الرأي إلى حد كبير، ولكن يده لم تكن مطلقة في كل الأحوال فقد قال صراحة، في إحدى حواشي الكتاب، إن مصادرا بعينها أخذت عليه مواثق وعهودا. وقد كان من مؤدي هذا القيد على قلم المؤلف أنه بينما يجد القارئ امامه معلومة كاملة مكتملة عن الشخص الذي اتهمه المرحوم طه الكد عيانا بيانا بأنه هو الذي وشى بعبد الخالق ودل رجال الأمن إلى مكان اختبائه، وهذا الشخص عضو في الحزب الشيوعي ومن الذين اسندت اليهم مهمة تأمين عبدالخالق، وقد مات طه وفي يقينه أن ذلك الشخص هو الواشي، و يسجل الكتاب ليس فقط الاسم الكامل لهذا الشخص، بل يضيف إلى ذلك مكان عمله الحالي وهو دولة الإمارات العربية. بينما يقدم الكتاب تلك المعلومة للقارئ على طبق من فضة فإن الشخص الآخر الذي عرفه عبدالخالق معرفة لصيقة وثقى « منذ أيام الحزب الاشتراكي» وادخره لليوم الأسود، ولكن الرجل خيب ظنه وخذله وأدار له ظهره حين طرق عبدالخالق باب منزله في بهيم ليل 22 يوليو يظل اسمه سرا مستغلقا في قرارٍ سحيق تذود عن حماه العهود و المواثيق، وتلك في أمانة تحديد المسئوليات و توزيع أضواء البحث التاريخي قسمة ضيزى.
(2)
وقد تناول حسن وقدم توثيقا جيدا لبعض الروايات، وطبيعة هذه الروايات وملابساتها وتعدد المتصلين بها تنفي عنها لزوما طابع السرية، ومع ذلك فقد ظل يشير إلى أسماء شخصياتها الأساسية بالأحرف الأولى دون مبرر معقول كاكتفائه بالحروف (ص.ع. م ) في معرض الإشارة المتكررة للمقدم صلاح عبد العال مبروك. وإخفاء الاسم هنا لا يستقيم بالنظر إلى ضخامة وجسامة الأحداث التي يشتبه المؤلف في أن الأخير تورط فيها، فالرائد مأمون عوض ابوزيد كان يتشكك تشككا ورد به موارد اليقين في أن لصلاح عبد العال دور في انقلاب 19 يوليو، إلى حد أنه عرض على أحد ضباط الانقلاب الذين حكم عليهم بالإعدام ليس فقط تخفيف الحكم بل إطلاقه حراً وتعيينه في وظيفة حكومية لو أنه اماط اللثام عن دور صلاح ، ثم أن اختيار صلاح لرئاسة المحكمة التي وقف امامها قائد مجلس الحركة المقدم بابكر النور كان اختبارا من قبل نميري و مأمون لمعرفة ما إذا كان صلاح سيتردد في توقيع حكم الإعدام فيؤكد الشكوك حوله ام يمضي قدما فيرسل بابكر إلى الدروة و قد فعل فخسر مأمون الرهان. ثم أن هناك، إلى ذلك، شهودا عدولا شهدوا بأن صلاح كان يقف في يوم 22 يوليو وراء حركة انقلابية مستقلة بذاتها تستهدف تصفية نميري ومجموعة 19 يوليو في آنٍ معا و أنه كان يحمل بيانها رقم واحد في جيبه، و لكنه حين دهمته الحادثات أظهر الالتحاق بالنميري وزمرته مكرا وتقية.
ووجود مثل هذه الحركة، بصرف النظر عن علاقة صلاح بها، ثابت بشهادة الملازم عبدالرحمن شامبي قبيل إعدامه وشهادات غيره من الشهود. ذلك كله يجعل من غير المنطقي الاشارة إلى العناصر الفاعلة في أحداث عميقة الأثر والمغزي كهذه بمجرد أحرف ورموز. و الأدوار المشتبه في نسبتها إلى المقدم صلاح عبدالعال مبروك تبدو لي شديدة التعقيد لدرجة أن المؤلف نفسه وجد صعوبة ظاهرة في فصل خيوطها وفك طلاسمها فتركها كما هي تسبح في بركة اللامعقول!
وقد استعصي عليّ، مثالا، أن أفهم مغزي الترهيب والترغيب و الضغوط الهائلة التي تعرض لها الملازم عبدالعظيم عوض سرور لاجباره على الاعتراف بدور للمقدم صلاح عبدالعال في انقلاب 19 يوليو، والملازم عبدالعظيم له رواية ذات ابعاد درامية عن ثباته على مبدئه في عدم الادلاء بأي أقوال عن صلاح ودوره في الانقلاب تصل ذروة سنامها عندما يقول بأنه إزداد ثباتا عندما علم بوصية المرحوم محجوب إبراهيم طلقة لزملائه قبيل دقائق من إعدامه بان تقتصر أقوالهم في التحقيقات على ادوارهم فقط دون التطرق إلى دور اي شخص آخر، فقد عززت هذه الوصية من تصميمه على عدم الاستجابة للضغوط الواقعة عليه من الرائد مامون عوض ابوزيد والرئيس العائد إلى السلطة جعفر نميري، حتى صدر عليه الحكم بالموت، وهو الحكم الذي جرى تخفيفه لاحقا إلى السجن المؤبد. و السؤال الذي ينتصب شاهقا: هل كان صلاح عبد العال واحدا من مجموعة هاشم العطا التي نفذت الانقلاب؟ إذا كانت الاجابة بالايجاب فإن تصميم وثبات الملازم عبدالعظيم هنا يصادف تفسيره المنطقي بلا جدال، أما إذا كانت الاجابة بالنفي فعلام إذن كل هذا البناء الدرامي ذو النفَس الاغريقي؟ و فيم إذن تعريض عبد العظيم نفسه للموت حتى لا يكشف دورا لصلاح لا وجود له أصلا؟! و أنا اميل إلى الاعتقاد بأن شكوك مأمون لم يكن لها ما يبررها، وأن شهادات المساعد الكودة و غيره بان صلاح عبدالعال ذهب إلى مكتب الرائد هاشم و هنأه بنجاح الانقلاب وأظهر له التأييد لا يعدو أن يكون سلوكا انتهازيا سلكه مئات غيره من العسكريين والسياسيين. أما أن يكون صلاح قد شارك في انقلاب 19 يوليو، ثم ترأس المحكمة التي حكمت على قائد مجلس الحركة بالإعدام، ثم دبر في اتون ذلك كله انقلابا ثانيا يهدف إلى تصفية نميري ومجموعة 19 يوليو معا، ثم صد عائدا، بعد ذلك، إلى سفينة النميري ليوهمه أنه من نصرائه، فهو ما يصعب ابتلاعه دون عقاقير هاضمة. ولكن كل ذلك إن صح، وليس ذلك على تاريخ السودان السياسي بعزيز، فإنه يقود حتما إلى نتيجة يتيمة وهي أن هذا الوطن، الشديد التعقيد، يُظِل تحت سمائه من يما هي ويضاهي عبد الله ابن سبأ و يتواضع و يتقاصر امام قامته راسبوتين!
(3)
يورد المؤلف رواية مفصلة عن ذهاب الرائد هاشم العطا حوالي الساعة الخامسة مساء، بعد تنفيذ الانقلاب، إلى منزل الاستاذة سعاد ابراهيم احمد وطلبه اليها مساعدته في الاستدلال على مخبأ عبد الخالق، و لكن سعاد التي كانت على علم تام بمكان عبدالخالق بدليل أنها توجهت إليه مباشرة بعد مغادرة هاشم لمنزلها، إدعت عكس ذلك وامتنعت عن تقديم المعلومة الصحيحة لهاشم، وتركته هائما على وجهه في شوارع الخرطوم يبحث عن عبدالخالق حتى ساعة متأخرة من الليل. وبلغ التيه واليأس بهاشم درجة أنه كلف موظفا صغيرا بوزارة المالية التقاه في عرض الطريق بمحض الصدفة، أن يذهب إلى الشفيع أحمد الشيخ وأن يطلب اليه ان يكتب له بيان الانقلاب الذي كانت الأمة تنتظره امام أجهزة التلفاز لساعات! وبحسب حسن الجزولي فإن هاشم ظهر (بعد ساعات من القلق و الترقب)، وقد بلغ منه اللهاث والإعياء كل مبلغ ليلقي البيان وهو بحسب حسن أيضا (بادي الاضطراب شديد الارهاق). في تقويمي الخاص فإن ساعات التأخير والاضطراب والارهاق اللذين بدا فيهما هاشم دقت المسمار الاول في نعش 17 يوليو إذ اهدرت هيبة السلطة الانقلابية عند مهد ميلادها، و أظهرته أمام الكافة وكأنه عمل مغامر و متفلت.
ورواية سعاد تستدر، كما يقول الفرنجة، سؤالا أخفق المؤلف في طرحه ومعالجته. والسؤال هو: لماذا امتنعت سعاد أساساً عن تقديم المعلومة الصحيحة لهاشم؟ خاصة وأنها كانت تدرك يقينا بأن هاشم كادر عسكري شيوعي، وقد علمت ذلك بعد عدة أشهر من انقلاب مايو عندما دعاها هاشم إلى اجتماع في مكان ما بالخرطوم شرق ليطلب إليها توجيها في مسألة بعينها باعتبارها من قيادات الحزب، ثم أن هاشم كان هو الشخص الذي حرر عبدالخالق من معتقله بالشجرة، وسعاد تعلم ذلك أيضا ولا شك، وكل هذا و ذاك يزيد الغموض ضغثا على إبالة ويجعل من إخفاق المؤلف في المتابعة والتحري والاستجلاء، وتركه لاسئلة محورية كهذه هائمة على وجهها، تماما كما تركت سعاد هاشم هائما على وجهه، تظل إحدى نقاط الضعف القليلة الظاهرة في كتابه.
(4)
يحوم المؤلف و لا يلج في أمر البيان رقم واحد الذي وجهه الرائد هاشم إلى الأمة في ساعة متاخرة من ليل 19 يوليو، فهو يورد ويوثق توثيقا حسنا تلميحات الشفيع أحمد الشيخ بأن البيان من صياغة عبدالخالق وأن لغة وبصمات عبدالخالق واضحة عليه، ويترك المسألة عند هذا الحد. و ذلك مع أن هناك روايات أكثر رواجا، في المجال العام، تقول بأن من قام بصياغة البيان هو التجاني الطيب بابكر وليس عبدالخالق. وكنت أرجو لو أن المؤلف قد تحصل على البيان ونشره كاملا إما في متن الكتاب او ضمن ملاحقه بدلا عن نقل ملخص ورد بموقع الكتروني عام دون تحديد لأصل المصدر.
وأذكر أن الدكتور عبد الماجد علي بوب، الأستاذ الجامعي المقيم حاليا بولاية كاليفورنيا، وهو عضو (استقال مؤخرا) في الحزب الشيوعي، كان قد ذكر لي قبل سنوات أن بحوزته نسخة مصورة من أصل ذلك البيان، وكان واثقا من أن كاتب البيان إنما هو التجاني الطيب لا عبدالخالق. و في معتقدي أن البيان قام بصياغته التجاني وأن هاشم أدخل عليه إضافات من عنده تعكس راي العسكريين في امر الحوار الذي كان نميري وزمرته قد ابتدروه مع حركة الانانيا (من خلف ظهر القوات المسلحة) بحسب كلمات هاشم في بيانه المذاع.
(5)
يقدم الكتاب لمحات باهرة من مشاهد تنفيذ احكام الاعدام علي قادة الانقلاب. وكان قد استقر في ذهني ان الضباط قد اعدموا فرادي، و لكن حسن الجزولي يقدم شاهدا هو الملازم أول (م) عبدالرحمن فضل الله يقول أن عددا من الضباط تم اعدامهم في مراسيم جماعية. و قد شاهد الشاهد، و لعله شارك، في إعدام جماعي شمل: العقيد عثمان حاج حسين ابو شيبة، العقيد عبدالمنعم محمد أحمد، الرائد محمد أحمد الزين، النقيب معاوية عبدالحي، و الملازم احمد جبارة. و لم تقع من ذهني موقعا حسنا كلمة (وآخرين) التي لحقت بهذه القائمة من الأسماء، ذلك أن إعدامات يوليو، مهما يكن من إمر، لم تكن كإعدامات الخمير الحمر في كمبوديا التي كان يصطف في طوابيرها المئات، بل كانت محدودة العدد، وكان حريا بالمؤلف أن يبذل جهدا اضافيا في سبيل العثور على أسماء هؤلاء (الآخرين) و توثيقها.
والالحاح على التحديد والتوثيق هنا ينبعث من حق أصيل لهؤلاء (الآخرين) في أن يعلم الناس انهم كانوا جزءا من ذلك المشهد البطولي المدهش الذي فصله الشاهد من بداياته إلى نهاياته، والذي بلغ ذروته عندما صاح الرائد محمد أحمد الزين بصوت مرتفع مخاطبا فرقة الإعدام: (نحن جاهزين).
يقول الكتاب ان الرائد هاشم العطا في طريقه إلى الدروة ردد ابياتا للشاعر المصري كمال عبدالحليم، ويسجل هذه الأبيات وعددها ثلاثة، ثم يقول إن هاشم أضاف إليها بيتا رابعا قام بتاليفه في تلك اللحظات ارتجالا، ويسجل ذلك البيت ايضا. و شجاعة هاشم وبسالته مما يحتاج إلى دفتر خاص، غير أنني أجد نفسي مترددا بعض الشئ في قبول هذه الرواية وأن كنت لا اردها تماما سيما وأن المؤلف لا يقدم لها توثيقا يعتد به. مصدر التردد وقائع و معلومات متواترة بأن اعدام هاشم ساده الهرج و المرج، و انه في طريقه من غرفة الاعتقال الي ساحة الاعدام كان محاطا كما السوار بالمعصم بعدد مهول من غوغاء العسكريين و دهمائهم الذين كانوا يتحرقون شوقا الى قتله، وأن هؤلاء أطلقوا عليه مئات الرصاصات وهو في منتصف الطريق في مشهد عبثي فوضوي. وأشك في أن ايا من هؤلاء الرجرجة الذين اخبرت عنهم الاخبار قد سمع اصلا باسم الشاعر كمال عبدالحليم ناهيك عن أن يحفظ اشعاره أو يتبينها إذا رددها آخرون.
لا اعرف لماذا اطلق حسن الجزولي على الفصل الذي خصصه لمشهد إعدام عبدالخالق محجوب ونهايته التراجيدية شبه الاسطورية « الافول»، و لعله كان يحسن الصنيع لو انه نظر في دواوين صهره، شاعر الشعب، محجوب شريف فاستعار منها لفظة « التسامي» التي اختارها محجوب لوصف إعدام القائد الشيوعي الفذ. مهما يكن فقد قدم حسن عملا متميزا من حيث التسجيل و التوثيق والرصد المتناهي الدقة للحظات عبد الخالق الأخيرة: فها هو يخلع دبلة الزواج بهدوء عجيب و يضعها على طاولة المأمور عثمان عوض الله راجيا تسليمها لزوجته، ثم ها هو يخلع ساعة يده و ينظر حوله فيتخير جنديا هو أصغر الحاضرين رتبة فيهديه اياها. ولقد ادهشني إلى اقصى حدود الادهاش وأشده أن عبد الخالق تعرف على الجاويش الخير مرسال، المكلف بتنفيذ الاعدام، كونه شقيق القيادي الشيوعي القديم شاكر مرسال، فحيّاه ثم لاطفه.
هذه في مجملها ملاحظات نقدية عابره حول منهج ومتن هذا العمل المجيد الذي يضعنا ببراعة واقتدار امام صفحات من تاريخ السودان كتبها ابطالها بحروف بارزة، ولكن سطورها غابت عن الكثيرين، من معاصريها ومن الأجيال الطالعة، واولئك و هؤلاء هم الذين من أجلهم توفّر الدكتور حسن الجزولي على هذا الكتاب سنين عددا حتى خرج من دار «مدارك» يرفل في حلة قشيبة فاقع لونها تسر القارئين.