سودانيون في حياتي

أحمد البيرق*

أحمد البيرق*

«1»
تحكي لي أمي حفظها الله، بأن أبي رحمه الله، اختار لي اسم -ماجد-، غير أن وعداً قطعته أمي للطبيبة السودانية التي أشرفت على عملية الولادة – التي ظهرت أنا بعدها على الدنيا – كان سببا في تسميتي حتى يومي هذا بأحمد، تيمناً بأبن الطبيبة المغترب في الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الطب.
«2»
كنت أقطن في منطقة الرملة وتعتبر إحدى المناطق الحديثة في مطلع السبعينات، في جهتها الجنوبية تمتد مجموعة من المساكن المطلة على الشارع الرئيس تتخذ شكلا موحدا خصصت للمدرسين المغتربين في فترة من الزمان، وفيها قطن أول أصدقاء سودانيين لي في الحياة «معتصم و منصور» ولكن لم يكونا سودانيين بما يكفي ولم يزوداني بأية ثقافة سودانية، تباً لهما.
«3»
له يعود الفضل في حفظي لجدول الضرب من 1×1 إلى 9×9 هو مدرس الرياضيات السوداني عندما كنت في الصف السادس الإبتدائي بمدرسة القاسمية، اتبع معنا إسلوبا بسيطا ومجديا، إلا أنني لا أنصح باتباع ذلك الأسلوب، فقد كان يأخذ القلم ويضعه في يد الطالب بين أصبعي السبابة والوسطى ويضغط عليهما، وخذ يا ألم.
«4»
الاستاذ يحيى الحاج أول سوداني حقيقي أجري معه حديثاً مباشراً، وقتها كنت طفلاً وكنت غارقا في ضحكي وأنا أحادثه، لقد كانت لهجته غريبة على مسامعي ولكنها حبيبة لقلبي، أنستها واستأنست بها، في بيتنا رأيتهم يلتفون حوله، أخوي إبراهيم و سعيد و مجموعة من أصدقائهم يستمعون له بإنصات وكأنهم ينهلون علماً من عالم، بعدها بفترة طويلة علمت بأنه أستاذ في المسرح، جاء لينقل خبراته وتجاربه لأبناء هذا الوطن، صوته حين يتحدث يخرج صفيراً ميزه عن كل البشر، لذلك كل كلمة قالها لي في يوم لن أنساها، لم أعرفه جيدا ولكن يكفيني أنني عرفت حجم حب الناس له.
«5»
سوداني حقيقي آخر كان فيئاً نستظل تحته وحوله، الأستاذ محمد هلالي مشرف الأنشطة الطلابية بإدارة رعاية الشباب في جامعة الإمارات العزيزة على قلبي، فتح لنا قلبه قبل باب مكتبه، آمن بقدراتنا ومواهبنا ورفع من عزيمتنا ودعمنا، أعاد معنا تأسيس فرقة للمسرح الجامعي بعد توقف طويل، ورأى فينا خير من يكمل المسيرة، كان مربياً قبل أن يكون مسؤولاً وأخاً كبيراً قبل أن يكون أستاذاً، فتح لنا بيته، وتنقلنا كثيراً بمركبته، ودفع لنا من جيبه وكان يظننا لا نعلم، 20 سنة قد انقضت وما زلنا على تواصل معه.
«6»
لكل عملة وجهان، وفي كل مكان الصالح والطالح، أما الصديق السوداني العزيز نجم الدين هاشم نجم الدين له وجه واحد وأكاد أجزم بأنه صالح – أحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا – أول عهدي به في معرض الشارقة الدولي للكتاب ربما في العام 2001، رأيته وحيدا في أحد الأجنحة التي تعرض نوعا واحدا من المنشورات، لذلك لم أر أحدا حوله، بعد فترة وجيزة أصبح نجم زميل عمل لي وتطورت صداقتنا، حتى أنه في يوم شجعني لزيارة بلده السودان وزيارة منطقة بعينها في السودان، ولم يحذرني من مغبة ما ينتظرني في تلك المنطقة، وفيها اقتدت إلى مركز الشرطة للتحقيق بتهمة تصوير سوق شعبي بهاتف ذكي، سرعان ما حضر أحد الضباط النجباء وأطلق سراحي، ما آلم قلبي وضاق صدري به ليس تحقيق أفراد الشرطة، بل هو نجم الدين الذي لم يزر تلك المنطقة – التي أوصاني بها – في حياته مطلقاً، لن أنساها لك يا نجم.
«7»
أسماء سودانية كثيرة في حياتي أعدكم بأن يكون لها نصيب من الحديث في النسخة الثانية من «سودانيون في حياتي» منهم الدكتور صلاح الدين أحمد صاحب أول كتاب في أخلاقيات العمل الصحفي، والأستاذ القدير حسن الأمين الذي علمني من حيث لا يعلم، والدكتور يوسف عيدابي الشاهد على الحراك الثقافي في إمارة الشارقة، والفاضل الفاتح الزيلعي الذي يعلم الكثير ويقول القليل، والزملاء النعمة فرح و محمد الطاهر المصورين الفوتوغرافيين، والعزيز الشفيع عمر الذي ما يزال يكتب بقلم الرصاص، وغيرهم الكثير.
* محرر أخبار بالمكتب الإعلامي لصاحب السمو حاكم الشارقة