مركز راشد دياب الدولي للفنون .. تحفة فنية بمواصفات جمالية

18-10-2016-07-3بقلم: شمس الدين العوني*

بادرني بضحكته العارمة، محتضنا وسائلا بحرقة المحبة عن تونس والأصدقاء الفنانين التشكيليين وعن قفصة التي احتضنت الفعالية التشكيلية الدولية لجمعية المكان للفن والتي شارك فيها مؤخرا مع حوالي سبعين من الفنانين التشكيليين من مختلف جهات العالم.
بادرني بملامحه السودانية كطفل حالم في سماء البراءة، الفنان التشكيلي الكبير راشد دياب وقد كان اللقاء الاختتامي لملتقى الشعر العربي والأفريقي في محطته الختامية حيث حدثني الصديق الاعلامي السوداني د. محمد الشريف كثيرا عن جمالية مركز راشد دياب للفنون والحلم الذي عاشه هذا الفنان لسنوات ورحلته خارج البلد لاكتساب الدراسة والخبرات ليتحقق الحلم من خلال هذه التحفة الفنية.
في بقعة أنيقة بالعاصمة السودانية الخرطوم «بالمركز سكن للفنانين العالميين ومكاتب الإدارة والمكتبة وجزء من المسرح الخارجي وهناك المرحلة الثانية التي تشمل كلية للفنون وقاعة مفتوحة للفنانين الطَمُوحين الصغار والمُؤَسَّسين الموهوبين، إستوديو للنقش والطباعَة، إستوديو للوحة والرسم، استوديوهات لأعمال الفخاريات والنحت، غُرَف للحلقات الدراسيةَ والمحاضرات، مسرحَ داخلي وخارجي وقاعة سينما. تَوثيق الوسائل لعَمَل سجل من عملِ الفَنِّ أنتجَ بالمركز، معرض للفنون التشكيّلية، معرض لفنون التقليد، متحف الفنون الجميلة السودانية وقاعة ومكتبة لدراسة البحوث والدراسات بأنواعها المقهى …».
وفي الفترة الأخيرة، ومن خلال الفعاليات والأنشطة المتعددة التي ينظمها وينسقها ويحتضنها ويتشارك فيها المركز بالتعاون مع الجهات والأطراف الفنية والثقافية العربية والافريقية والدولية.
رسم مركز راشد دياب للفنون وبرعاية زين لوحة فنية ساحرة بمناسبة يوم الشباب الأفريقي زينها مجموعة من الشعراء الشباب تحت عنوان «براح الشعر» من بينهم الشاعر متوكل زروق، الوسيلة محمد نور، عبدالرحمن عبدالفضيل، هيام الأسد، فوزية جيب الله، قدير شيخنا، وذلك وسط حضور كبير من المبدعين ورواد المنتدى حيث ارتكزت أغلب أشعارهم عن الحبيبة والوطن برمزيته المعروفة فيما أدار الأمسية عبدالملك يس الذي ربط موضوع المنتدى «براح الشعر» بمدرسة الغابة والصحراء المدرسة الشعرية المعروفة التي أسسها مجموعة من الشعراء السودانيين في حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كتيار أدبي، مشيراً الى الشاعر النور عثمان أبكر والشاعر صلاح أحمد ابراهيم ، ودعا عبدالملك يس إلى تثقيف السياسة وليس تسييس الثقافة ….».
كان الفنان التشكيلي العالمي راشد دياب أستاذا في جامعة مدريد، ثم رجع الى موطنه السودان حاملا أحلامه وأمنياته العريضة بشأن المعارض والمتاحف والأمكنة الخاصة بالعروض الجمالية والثقافية الفنية وما من شأنه جمع شمل الفنانين التشكيليين ورغم الانكسارات فإنه بقي على حلمه الباذخ باذلا جهوده وماله الخاص وعائدات أعماله الفنية، ولوحاته الشهيرة الكثيرة الموجودة في متاحف عديدة في العالم.
وكان له في نهاية المطاف ما يريد حيث انتهى الى اقامة وبعث «مركز راشد دياب العالمي للفنون بالسودان».
وخلال إقامته بإسبانيا بعث قاعة للفنون هي «قاعة مدني»، وحاز دكتوراه في فلسفة الفنون السودانية.
هو فنان حلم ويحلم كثيرا وصداقاته متوزعة وكثيرة وهو يقول أيضا بخصوص المركز «.. حلمي ظل دائما أن أعيش في مجتمع فني حقيقي في وطني، عدت للخرطوم بعد غيبه طويلة دامت أكثر من عشرين عاما لأبني حلمي وأنعش رؤاي السودانية لكن في الأساس أبحث دائما عن القناعة الذاتية والراحة النفسية التي يبعثها الأمل في أن أكون مفيدا في مجتمعي خاصة في مجال الثقافة.
كنت أعيش رؤى كثيرة تتوارد الأفكار في داخلي حول كيفية تحقيق هذا الحلم على مدار السنين، كنت أنزعج لصورة السودان في العالم مما يزيد إصراري على إنجاز هذا المشروع الكبير.
دلني صديق على قطعة أرض تحمل عراقة التاريخ في عمر الأشجار في تلك اللحظة شعرت انني وجدت المكان الذي كنت أتصوره، أشجار ناضرة ومساحات تحفها الخضرة من الجوانب في منطقة شعبية سهلة الوصول من وسط المدينة، بعد شرائها مباشرة بدأت في إعداد الرسومات المبدئية للتصميم المعماري.
كنت أعمل على إعداد تصميم متميز ونادر لمعمار سوداني أصيل مع بعض التأثيرات من ثقافات أخرى مثل المغرب واسبانيا. وظفت أشعة الشمس بعناية في كل المساحات المتقابلة والعلوية لإدخال ضوء مكثف حتى يغمر كل المساحات في المبنى بحيث لا نحتاج إطلاقا لأي ضوء صناعي أثناء النهار، تتداعى أشكال الضوء الملونة وتشكل لوحات فنية معظم ساعات النهار وتنتقل حركة الضوء بحرية في مساحات المبنى كامله.
العمارة في رأيي هي حاجة لخلق متعة داخلية وخارجية، الخارجية تتبع للآخرين في معظم الأحيان وهي التي تشكل الشخصية المعمارية للمدينة ونوعية الثقافة السائدة، أما الداخل فهو الأقرب الينا هو مساحتنا الخاصة للسكن والعمل، عندما تملك منزلا منذ البداية عندما تبني عالمك الخاص الروحي والمادي والثقافي هي لحظة تسجيل لنبض الحضارة في لحظة زمنية معينة.
لقد صممت هذا المركز كفنان للفنانين، وأتمنى أن يكون بالفعل قد عبر عن الثقافة السودانية كمبنى وكحدث ثقافي كبير لخدمة الفن والفنانين. بالنسبة للمركز خاص جدا وعام في نفس الوقت هو مركز سوداني ولكنه عالمي هو حلم خالص، ولكن أخيراً أصبح واقعا علينا أن نعيشه لأنه جزء منا.
المركز يعمل على تشجيع الفنانين في كل أنحاء السودان من داخل وخارج الخرطوم بهدف أن يؤسسوا مراكز ثقافية مماثلة، يعمل المركز أيضا على توثيق نشاطاته بآخر ما توصلت اليه التقنية الحديثة، وقد خصص حيزا من النشاط لمهرجان الثقافة السودانية الذي يتم فيه تقديم أفضل الأعمال التي أنتجت أثناء العام من معارض مختلفة وأفضل المسرحيات الفكرية والثقافية والنشاطات على مدار العام، ومن ثم تم منح الجوائز للمتفوقين في تلك الأنشطة جائزة مركز راشد دياب للإبداع الفني بهدف تشجيع المواهب والمبدعين في السودان.
المركز مفتوح لزيارة الجمهور وهناك مطعم وقهوة مفتوحة يقوم المركز بإعداد معارض دائمة ومعارض دورية في المركز وأيضا في دارا غالري للفنون.
وتتم دعوة فنانين عالميين متخصصين في مجالات مختلفة لإقامة كورسات محددة لفترات تتراوح ما بين أسبوع وأسبوعين لتعليم المهارات الفنية ولرفع مقدرات الفنانين السودانيين الفنية المختلفة.
الكورسات المفتوحة تستمر لفترات طويلة شهر أو شهرين يدرس فيها أكثر من أربعين من الطلبة بواسطة فنانين عالميين في مجالات مختلفة يتم اختيارها حسب الحاجة لدورها في المجتمع مثل الرسم على الزجاج والقماش والحرير، وتتضمن كورسات في المعمار لاكتساب مهارات خاصة في هذا المجال….».
كانت أصوات الشعراء العرب والأفارقة على إيقاع الفلكلور السوداني وذلك بحضور جمهور كبير من الفنانين والمبدعين والمسرحيين والكتاب والاعلاميين وبإشراف وزير الثقافة السوداني ورئيس مركز الشباب العربي والافريقي وبحضور الدكتور الصديق عمر الصديق الناقد المعروف والاعلامي السوداني محمد شريف.
الشعر والفنون في الاختتام بفضاء المركز الرائق في سهرة لا تنسى غنى فيها الفنان الجامع أغنية رقص الجميع على معانيها «.. عذبة أنت كالطفولة…» من روائع شاعر تونس الشابي.
راشد دياب فنان استثنائي والمركز تحفة من تحف السودان الحبيب.
* «شاعر وكاتب صحفي من تونس»
صحيفة ميدل ايست أونلاين