الحبوبات والخالات الشاعرات (الشوايقة بالحلفاية)

18-10-2016-06-54محمد حسن محمد علي التوم
*حلفاية الملوك
يبدو أن الحبوبات والأمهات والأخوات قد توارثن الشعر منذ عهد مهيرة بنت الشيخ عبود شيخ السوارب ، والشاعر أو الشاعرة دائما ما يحب ويشعر ببقائه داخل دائرة مجتمعه ، فهم أو هن كالوتر الأصيل لا يقدم ولا يصدأ ولا يسترخي ، يظل الدهر كله يبعث في النفوس ما يجعلها تقوى على مجابهة المكاره والانتقال إلى مناطق الطموح ، اسمعوا إلى مهيرة بنت الشيخ عبود :
الليلة العقيد في الحلة متمسكة
وفي قلب التراب شوفته متجكن
الرأي فارقه لا بيشفي لا يمكن
لا تتعجبن ضيم الرجال بمكن
وها هي أيضا تقوم بإذكاء روح الحماسة والقتال في فتيان القبيلة :
غنيت بالعديلة في عيال شايق
البرشو الضعيفة وبلحقو الضايق
الليلة استعدوا وركبوا خيل الكر
وقدامن عقيدن بالاغر دفر
الليلة الأسود الليلة تتنبر
ويالباشا الغشيم قول لى جدادك كر
ود التوم الكبير هو وزملاؤه اتفقوا على أن ينكروا دورهم في تجارة الرقيق ، التي كانت سائدة في العهد التركي ، أنه إذا انكر فلن يعترف مهما حصل ، عندما اشتد التعذيب بزملائه اعترفوا أما هو فاصر على النكران ، حكم عليه بالجلد ومنع من السفر إلى المتمة إلى أن يعترف فسكن بأبي روف بامدرمان حيث ما زالت بقايا حيشانه وبعض من مواليه هناك ، طبعا كان ذلك بحكم تجارته مع الزبير باشا وآخرين في الرق ، علما بأن هذا لم يكن أمرا مستحبا أو مدعاة إلى الفخر، لكنه التاريخ يذكر بكل الشفافية والصدق للتوثيق .
غنت له بنت عمه فاطمه :
حليله الولد ابعمار
ركز للسوط ظلط الحجار
زيطه قفا وسار
يوم طلبتك كلمتك فريدة
باليمين ما تعقب تزيده
يوم السوط والفلقة الشديدة
طارئ حديث المفدوع وريده
يوم نهموك تبيت بي وشاكه
يوم طلبوك شافوك المعاك
روحه ساخيبها ورضيان بي هلاكها
عقدة الخير يا الربك هداك
يوم نهموك تبيت بي مهمة
ويوم طلبوك عقلك ماهو هم
يا الفيك المجمة تعو
يالخير وتقدل في المتمة
يوم ضربوك ما ختيت ملامة
تعود يا الخير وعلى فاطمة الكرامة
* حكم على ود التوم الكبير بخمسمائة جلدة ومنع من الرجوع للمتمة .
أيضا الوالد حسن محمد علي التوم حين اتهمه شخص زورا وبهتانا بقطع شجرة وبيعها حين كان مسئولا بالإنابة في غياب مفتش الخرطوم بحري والضواحي ، استدعى حسن التوم على عجل من بارا لتجري له المحاكمة برئاسة المفتش محكمة الخرطوم بحري ، وسئل حسن التوم عن الأمر فنفاه بالطبع ثم طلب من الذي اتهمه بالحلف على اليمين فحلف فطلب من الشاهد الذي أتى به الشاكي فأبى أن يحلف ، بل سجل اعترافا قلب الطاولة على الشاكي حينما أقر أنه هو والشاكي سويا قاما بقطع الشجرة وبيعها .
قابل هذا الشخص حبوبة بنت طيبة وسلم عليها قائلا :« ازيك يا خالة» فما كان منها إلا أن ردت عليه بأنها ليست خالته بل خالة الحرامي حسن التوم ثم انشدت :
غنيت جبت كلام فوق
أسد الخلا الكابس على الدلهام
في المجلس ابحكام منصور
الحسن سجم خصيمه وقام
ثم أخذت تهيل التراب على وجهه .
كانت ست الدار بنت بهقيل هي التي أشرفت على تربية حسن التوم وأخته ستنا فلا غرو أن تنفعل هي الأخرى بتلك الحادثة « حادثة الشجرة » :
أنا قولي فوقو بخيل يادود الخلا
ود عقدة الجنزير ياكاب العشير
غنيت للرايق من فومة الجهل لاسوس ولاعايق
في المجلس أب حقايق ياحنك البليد البخلص الضايق
يالسيدة أبوك مفهوم ود التحت الخمسماية بنوم
حاشاه من اللوم حقيت الاسم يالرصدة ود التوم
مازلنا مع ست الدار بنت بهقيل وهي تحيي حفيدها أحمد علي بشير كمبال بعديلة في يوم عرسه :
شدو لو وركب فوق فأرجو بتمزه
ولدا فنجريا قلبه ما هز
حدا الزين أبوك كل السمح سواه
بسيف الدهب فوق البنات هز
شدو له وركب فوق قارحه البحات
شبل الأسود ابواتك الديدان
من قومه الجهل البرمكي السمتان
ود حكرا نضيف يا ولدة الرحمن
شدو له وركب فوق قارحه الملجوم
تيلاد الأصالة شايلين وراه أب توم
جده الغول بشير يحكم وما محكوم
تسوي الفوت تزيده يا ود تنائي الروم
الليله البريده ناوي للسيرة
حضراك المصطفى وباركلك الليلة
صبيحتك جزر كل ليلة
فايت العبرة أبوك خالك جبل بيلا
الليلة العديلة إن شاء الله ساهلا له
نضموا جرتقا والحاجه جاياله
ود بيت اللقا نحلا قديم كاره
فرحن زغردن مرقن بنات خاله
يارب يا كريم أحمد وداعة السيد
ساير سماحة بي قطع الجريد
يارب العباد تتولى بالوحييد
وفي بيت الحلال اشوف جناه يزيد
نأتي إلى دور الحبوبة فاطمة بنت كنونة والدة فرحين بنت علي جبي وقد كانت قصيرة القامة . عندما اجتمع الشايقية بديوان البيه لانتخاب ملكا أو رئيسا عليهم واوشك الاختيار أن يقع على أحدهم فجاءت بالشباك ورصت الطوب واعتلته لقصر قائمتها ، ثم خاطبت بشير كمبال في قصيدة أذكر منها الابيات الآتية :
ماكنت قدامي تناطق الترجماني
كان تبقى وراني أنا بقطع لساني
اكان تبقى روكا ما بقلب لهوكا
فما كان من البيه بشير إلا أن رفض الاتفاق جملة وتفصيلا .
أيضا جزء من قصيدة لاحداهن في شكر ود ابقبالة قالت فيها :
تام في العبرة وافر
للعوق ضربة دافر
قيدومة الشطارة
يالبيك الفضالة
قيدومة الفراسة
أصل العز وساسه
كان جيت الشطارة
هيل ود ابقبالة
لعله ان يكون بينكم من يحفظ قصائد فاطمة بنت كنونة أو أيا من الأخريات فليمدني بها مشكورا .
ستنا بنت كنونة شقيقة فاطمة ووالدة عجوبة وفاطمة بنات حمزة ود الفحل تشكر بشير كمبال :
رضاعتك رخت سبلت قناعة
لي أب قلبا زلط خاتي وداعة
يا رافع السما بشير كمبال وداعة
ساس الغول بشير الباني فوقه
جدك جرق الصفار بسوقه
أنت قلب الارض السابلات عروقه
قبل الزين بحوق والناس تضوقه
ساس الغول بشير حمد بيملا
للشاق العرق ياخدله جمله
ولادة أمك صحيحة وماها خمله
لي الشايل الواقعة والمرمية جملة
ساس الغول بشير من البداية
جدك جرق العيقان سحابة
ابواتك صمود خيرهم عماية
قمر سته وثمانية يضوي غاية
من قومة الجهل الغول بشير فارق
كضاب البعوم في بحرك الغارق
في كتال كسلا لملم للبوارق
ضربوه التشاريف جاءه المدير مارق
قبل أن ندلف إلى فطين بنت نصر نرجع لفاطمة بنت كنونة مرة ثانية حيث اختلف بهقيل مع صالح المك وتم الصلح بينهما وكعادتهم اجتمعوا في ديوان البيه ونحروا الذبائح ودقوا النحاس لكن ذلك لم يرض فاطمة بنت كنونة فأخذت الشتم وقالت تخاطب بهقيل :
من قم صغير معروف
بسند في ليالي الشوف
أب كريق اخوي أب قلبا
ما بعرف الخوف
في المقرن قيل وبات
وبالحلفاية عد وفات
قلع في التمانيات
وأصدر للخصيم لوعات
وبين نفلك ابشقات
فقال صالح المك التقلع صمغة رأسك يافاطمة سويتي اخوك تمساح يبين ويقيل في المقرن ويمر بالحلفاية ويقلع في بلدي أنا التمانيات فضحكوا كثيرا وطيب خاطرهم وتم الصلح .
والآن نختم بالشاعرة فاطمة نصر بشير بك كمبال «فطين» . عندما تزوج المرحوم إبراهيم سميح من صديقتها فاطمة بنت العمدة وقد سافرت معه لمكان عمله فودعتهم فطين في السكة وقالت :
على جمر الفراق بيوقد حي
وأحسب في النجوم كل نجمة بي أحيي
تعود أيامنا ديك السابقات يا حي
على ألم البموت لكن خيالي الحي
صاح لي القطار قال ده الحبيبك كان
بعد أيام أنس خلاك في أحزان
لوع قلبي حس صفارته والرجحان
وطلع روحي زي ما طلع الدخان
لعل معظمكم عايش قصة ابنها محمود حينما تخرج حديثا من كلية الشرطة من فوره إلى الجنوب وكانت منطقة الجنوب تحفها المخاطر الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود وتمنعت بشدة أن يسافر ابنها ، إلا أنه اقنعها أنه مسافر ليمثل دور والده السنجك المعروف حينها تصدى لترحيل النساء قبل الرجال أيام التمرد، وكانت تلك وقفة شجاعة عليه رحمة الله وبركاته ، قام المبدع علاء الدين أحمد على بتلحينها وغناها الفنان صلاح بن البادية في زواج دكتور خالد حسن التوم :
بالسلامة لينا يعود
شبل الأسود الما بهاب الموت
الحاق الاسم محمود
يا لساني ولف ليه
فرش الموت قديم من الجدود راجي
تسلم للوطن تحمي
وترجع بالسرور ياخواته هنن ليه
شكرية يا أخته يا زرياب
آب قلبا شجيع كفه السريع ما بهاب
اتبينت يا أرباب
ثابت ما بضل ما أثره النشاب
عليه بتكلم ده فارس امات
لبوس جرع عقود السم
ده طارق الجدود والعم
وراكز في الحدود السلاحو بترزم
بقول عليه وصوف
أب قلبا شجيع ما بعرف الخوف
قال عندي احلى ظروف
بلعب دور ابوي في الجنوب معروف
الحاق الاسم محمود
أردت أن أختم بذلك وأنا مدرك تماما أنني لم اتعرض لكل الشاعرات ، لعل الظروف تتيح لنا مستقبلا أن نتوسع في دراسة مفصلية عن ذلك ، وأود هنا الاعتذار إذا ذكرت بعضا من الأشعار قد تمس شخصا من القراء أو اهله ، فلم أقصد الإساءة لأحد ولكن كان ذلك توثيقا للإرث العظيم الذي تركته الحبوبات والخالات عليهم رحمة الله جميعا.