«الصحافة» تروي تفاصيل مثيرة من داخل حقول الألغام بكسلا.

ذكاء طفل يؤدي لاكتشاف 75 لغماً

كاسحات ألغام أجنبية بخبرات سودانية

توقف التعليم 10 سنوات بمنطقة «أم علقة» بسبب الألغام

جـــــواز سفر ووجبة خاصة لكــــلاب الاستـــكشاف

24-10-2016-07-3كسلا: سفيان نورين.

فى زيارة اشبه بالذهاب الى مناطق العمليات العسكرية ، رافقت «الصحافة» المركز القومى لمكافحة الألغام الى منطقة «رساى» الواقعة شمال شرق مدينة كسلا، التي تبعد 320 كيلو متر من المدينة . استغرقت الرحلة اليها اكثر من ثلاث ساعات سفراً متواصلا بمركبات الدفع الرباعى، فالمنطقة تعد اخطر اماكن وجود الألغام بكسلا فى مساحة تبلغ 800 كلم، يوجد بها بقايا اعيرة نارية ومتفجرات للحروب التى اندلعت سابقاً ويحيط بها عدد من الجبال واشجار المسكيت والدوم، فى ظل انعدام تام لشبكات الاتصال وبعض الخدمات الضرورية من كهرباء وتعليم وصحة .

انطلق الوفد حوالي الساعة الرابعة عصر الثلاثاء 18 اكتوبر 2016م من مدينة كسلا ووصلنا الى منطقة «رساى» نحو الثامنة مساءً، اتضح جلياً منذ اللحظات الاولى للوفد حجم المعاناة الخاصة باهالى المنطقة من جراء وجود الألغام التى تكاد توقف حياة المواطنين بالكامل نسبة للصورة القاتمه للغايه التى رواها المواطنون وفرق الازالة فى عدم وجود خُرط خاصة بالألغام ما جعل مهمة فرق الازالة قاسية للغاية فى تحديد اماكن الألغام.. فالمنطقة يعتمد اهلها الذين معظمهم من قبيلة الهدندوة على الزراعة بنسبة 25% بينما 75% على الرعى، وتوجد بها مدرسة واحده بها ميز للمعلمين واربع فصول وتشتهر بحرفة وتجارة السعف .
تحدث شيخ القرية محمد احمد، بمرارة عن معاناتهم مع الألغام التى جعلت حياتهم صعبه، واشار الى ان الرعي فى المنطقة يمارس فى اماكن محدوده خوفاً من الاصابة بخطر الألغام، ما استدعى مواطنى قريته ان يؤدوا واجبات مشتركة مع الفرق المختلفة للمساعدة فى ازالة الألغام، داعياً الجهات المختصة لضرورة ازالة الألغام حتى تعود الحياة الى طبيعتها لممارسة نشاط الزراعة والرعى بالمنطقة .
بينما يقول حسين محمد احمد احد المواطنين، ان المنطقة فى السابق لم تكن آمنة سوى اخر عامين، واضاف «الحمدلله الحال افضل وامان بسبب دور فرق ازالة الألغام» وذكر ان المنطقة واجهت جراء الألغام صعوبات فى الماضى تتمثل فى الزيادة الكبيرة للمتفجرات حتى عند دفن الموتى .
من جانبه اوضح مشرف فرق ازالة الألغام بالمنطقة محمد حسين، ان مساحة المنطقة تبلغ 800 كيلو متر يتم فيها تقسيم الفرق الى ثلاثة فرق منها فرق الكشف والازالة والكلاب الكاشفة والماسحة الارضيه، واكد ان الفرق استطاعت نظافة مساحة مقدرة، وتوقع حسين ازالة اكبر قدر من الغام المضاده للافراد والاليات خلال الفترة القادمة، واشار الى ان العمل فى المنطقة بدأ مطلع اكتوبر الجارى بينما يتم الانتهاء منه نهاية العام نفسه، وكشف ان الفرق تحصلت على 55 ذخيره غير متفجره و25 ذخيره صغيرة، بجانب لغم واحد مضاد للاليات، وقال ان عددية الألغام التى زرعت فى فترة الحروب السابقة بلغت 96 لغم .

24-10-2016-07-4وكان لافتا داخل المنطقة وجود كاسحات الألغام الارضية الالمانية تقودها خبرات سودانية، بوصفها الاذرع المساعده فى امر مكافحة الألغام والتى اثبتت نجاحها فى عمليات الازالة اثناء حرب جنوب السودان فى السابق، وتعتبر الخبرات السودانية اول خبرات فى القاره الافريقية فى مجال كاسحة الألغام الارضية تقوم بتشغيلها فى الفترة من 2013م وحتى الان.

ومن ضمن منظومة عمل وحدات مكافحة الألغام بمنطقة «رساى»، كانت المفاجأة وجود كلاب إستكشاف عن الألغام ذات مواصفات خاصة .
24-10-2016-07-8 اوضح لنا قائد فريق الكلاب الاستكشافية قاسم حميدان، ان تلك الكلاب من جنسية المانية وبلجيكية، واشار الى انها تكتشف اماكن وجود الألغام عند جلوسها فى ذلك المكان، وقال ان من تمام العمل ان يعمل كلبان فى منطقة واحدة بالتناوب، وكشف قاسم ان مدة عملها 9 اعوام بينما تعمل نحو 45 دقيقة فى اليوم، وذكر بان تلك الكلاب لا يتم التخاطب معها واعطاء التعليمات سوى بالغة الانجليزية، بجانب كونها لاتعمل فى فصل الخريف ودرجة حرارة تتجاوز 32 درجة واثناء وجود رواجع زيوت المحركات، واوضح انها تتناول وجبه خاصة مكونة من كبسة الرز واللحوم واخرى جافة، واشار الى ان المدة الافتراضيه لعملها فى اليوم نحو 1200 متر .
ونوه الى انه فى حالة مرض الكلب المختص بعمليات الاستكشاف.. يتم اسعافه بواسطة افراد من فرق الازالة الذين تلقوا اسعافات اولية للامراض السهله كالحمى والاسهالات، واما فى حالة الامراض المستعصية فيتم نقل الكلب المصاب بالاسعاف الى اقرب وحدة بيطرية .
24-10-2016-07-10 وعن طريقة تدريبها للعمل فى مجال ازالة الألغام، قال ان تدريبها يتم وفق خطة محكمه على استخدام رائحة البارود والذخيرة اولاً ومن ثم يتم إدخالها حقول الألغام، تليها مرحلة مراجعة المنطقة التى قام احد الكلاب بمسحها عن طريق كلب اخر للتأكيد اذا كانت المنطقة ذات خطوره على حياة البشر بسبب الألغام ام لا .

وقبيل زيارة منطقة «رساى» كان الوفد قد زار منطقة ام عقلة شرقى كسلا الواقعة فى الطريق الرابط بين كسلا ودولة ارتريا والتى تبعد حوالى 10 كلم من المدينة، فالمنطقة هجرها السكان منذ العام 1998م بسبب الحروب الدائرة بين الحكومة وتجمع المعارضة المسلحة فى ذلك الوقت، ما ادى الى اغلاق المدرسة الوحيدة لمرحلة الاساس بالمنطقة ابوابها لعشر سنوات حتى العام 2008م، بالاضافة الى هجر السكان لمنازلهم بسبب وجود الألغام التى جعلت حياتهم تتوقف .
عند الوصول باكراً وجدنا فرق الاستكشاف والازالة يعملون داخل حقل الألغام، بينما يجلس مواطنو المنطقة وعدد من التوعويين فى الاماكن الادارية الخالية من الألغام.. قدم لنا فيها المشرف العام للفرق محاضرة عن كيفية ازالة الألغام والمجهودات التى بذلت فى ذلك وخطط الفرق فى نظافة المنطقة وكيفية تعايش المواطنين.
وبحسب افادات المشرف بدأ العمل فى المنطقة منذ مطلع يناير من العام الجارى، وان طريقة البحث تتم عبر تقسيم مساحة وجود الألغام على عدد الباحثين من الفرق التى استطاعت اخلاء مساحة 8739 من الألغام، بينما ادى وجود لغمين الى حوادث خطرة مؤخراً عندما تفجر لغم بعربتى لورى وبوكس.
24-10-2016-07-9وعقب خروج فريق الاستكشاف والازالة من حقل الألغام التقينا بعدد منهم، حيث يقول محمد احمد فنى الغام ان عملية البحث تتم عبر القراءة لاجهزة كاشفات الألغام عقب عملية المسح للمنطقة الخطره، بينما اوضح خليل عبدالله ان فصل الخريف والاشجار والبهائم من العوامل التى تعيقهم فى العمل.. بدورها قالت امل مصطفى احدى المرشدات بالمنطقة ان العمل الارشادى والتوعوى للمواطنين يتم داخل المنازل والمدارس والمساجد عن خطورة الألغام وكيفية رفع المواطنين للبلاغات عند وجود لغم او اى جسم غريب، وثمنت امل دور المواطنين فى التجاوب مع الارشادات التى تقدم ومد الفرق بالاماكن التى توجد فيها الألغام .
ويقول احمد نوراى احد قاطنى المنطقة، انهم لم يجدوا اى تأثير كبير من خطورة الألغام برغم مضارها، واشار الى انهم يمارسون حياتهم بصورة طبيعية، الا انه طالب الجهات المسؤولة بضرورة نظافة المنطقة من وجود الألغام والمتفجرات التى تشكل خطورة على المواطنين ومواشيهم .
ويؤكد الطاهر آدم احمد، وجود تعاون كبير بين المواطنين وفرق ازالة الألغام، واشار الى وجود توعية مجتمعية بمخاطر الألغام فى المدارس والمنازل حتى على مستوى الاطفال .
وفى ذات نهار من العام السابق والفرق تبحث عن المناطق التى توجد بها الألغام، بينما يوجد مجموعة من الاطفال بقرية «ام عقلة» بغرض اللهو واللعب، استرعى انتباه احد الاطفال وجود جسم غريب تحت ظل شجرة.. فما كان منه الا وان ابلغ مدير المدرسة بما رآه، نسبة لتوجيه المعلمين والضباط التوعويين للطلاب بعدم المساس لاى جسم غريب والابلاغ عنه فوراً، حينها تم على الفور الاتصال بالمركز القومى لمكافحة الألغام بولاية كسلا الذى بدوره ابتعث خبراء إزالة الغام.. فكانت ازالة وتدمير 57 لغما ارضيا فى فترة لا تتجاوز الثلاثة اشهر عقب مسح المنطقة بالكاشفات اليدويه والكلاب الكاشفة .

24-10-2016-07-5وللتوعية بمخاطر الألغام، قام المركز القومى للمناهج بمجهود مشترك مع المركز القومى لمكافحة الألغام بتدريس طلاب الاساس منهج خاص للتوعية بمخاطر الألغام والمتفجرات من الصف الخامس وحتى الثامن، وبحسب افادات اهالى المنطقة نجح المنهج فى تفادى الكثير من الحوادث الخطره جراء الاصابة بالألغام بولاية كسلا، والتى منها حادثة تسبب طالب الاساس فى قرية ام علقة فى مساعدة الفرق فى ازالة 75 لغما.

وظلت ولاية كسلا تعانى خطر وجود الذخائر غير المتفجره منذ الحرب العالمية الثانية فى اربعينات القرن الماضى، ما دفع عددا كبيرا من سكان القرى لهجر مناطقهم والاتجاه نحو مناطق اخرى بحثاً عن الامان.
وجاءت زيارة المركز القومى لمكافحة الألغام وفرع المركز بولاية كسلا للوقوف على اخر الاستعدادات لاعلان مناطق الشرق خالية من الألغام والمتفجرات مطلع العام الجارى، بالاضافة لكونها احد الزيارات الروتينية التى يقوم به المركز دوريا لكافة مناطق وجود الألغام بالبلاد.. واستطاعت فرق الازالة والاستكشاف التابعة للمركز فى تحديد اماكن الألغام فى الولاية خاصة مناطق «اللقدى وتلكوك والرساى وام عقله» ما اسفر عن وجود 750 لغما بمنطقة ام علقة، كما نجح المركز خلال مسيرته في هذا المجال تحقيق العديد من الانجازات ولا يزال يواصل عمله في هذا الصدد لإعلان السودان خاليا من الألغام ومخلفات الحرب وفق الخطة الموضوعة للبرنامج ضمن منظومة وزارة الدفاع فى مكافحة الألغام الارضية ومخلفات الحرب فى السودان، بالاضافة الى توعية المواطنين بكيفية تفادى الألغام فى جميع انحاء البلاد ومساعدة الضحايا من خلال قاعدة معلومات وتدريب وتأهيل كوادر لكيفية ازالة الألغام والمتفجرات.
واشار مدير المشروعات بالمركز القومى لمكافحة الألغام مهندس معتز قاسم، الى ان الهدف من الزيارة هو الوقوف على عمل كافة الفرق وتوفير المعينات التى يحتاجونها اثناء وجودهم بتلك المناطق، وكشف عن استراتيجية وضعها المركز لاخلاء ولايات الشرق من الألغام ومخلفات الحرب منتصف العام القادم عقب اعلان ولاية القضارف خالية من الألغام، واكد دعم المركز لكافة البرامج والمعينات التى من شأنها ازالة الألغام من المنطقة، وثمن جهود دولة اليابان خاصة فى برامج ازالة الألغام ومساهمات منظمات المجتمع المدنى التى تعمل فى هذا المجال.
من جانبة قال مدير مركز مكافحة الألغام بكسلا المقدم ادريس حمدون، انهم فى المركز يقومون بمجهودات كبيرة لاعلان ولاية كسلا خالية من الألغام منتصف العام المقبل، واشار الى ان فرق الازالة تواصل عملها بكل تفان حتى تكون الولاية خالية ويعود المواطن لمزاولة نشاطه بصورة طبيعية، وقال ان بعض مناطق الألغام تعد معبراً تجارياً وارضاً خصبة للزارعة حالت الألغام دون الاستفادة منها.