الحوار الوطني..ثم ماذا بعد؟! (2)

الربيع الثوري الذي نحتاجه في السودان يبدأ بالثورة على الكلي قبل الجزئي ويطعن الفيل قبل طعن الظل

461تستعد رئاسة الجمهورية لإيداع في منضدة الهيئة التشريعية بعض التعديلات الدستورية التي إستوجبها إنفاذ توصيات الحوار الوطني. ولابد لهذا الإيداع أن يجري بأعجل ما يمكن فالدستور الإنتقالي يوجب إيداع أيما تعديل دستوري قبل ستين يوما من بدء التداول البرلماني حوله. والفكرة من وراء الإرجاء هي أن يجري تداول شعبي وإعلامي معمق حوله قبل المداولة البرلمانية ، فما الهيئة التشريعية إلا ممثل للشعب وعليها الاستماع لآرائه ومرئياته قبل إحداث أي تغيير في الدستور فهو الوثيقة التي تعبر عن التوافق الوطني ولا يجوز التغيير فيها بالأهواء العارضة أو الملائمة السياسية لهذا الحزب أو ذلكم الآخر. بيد أن هذه التعديلات بالذات خضعت بالفعل لحوار كثيف طويل حولها في مؤتمر الحوار فما هي بحاجة إلى مزيد حوار ولكنه الدستور قمين بالإحترام لنصوصه في كل حال.

وثيقة الإصلاح ومسيرة الحوار:
26-10-2016-03-7والتعديلات المشار إليها تتضمن جملة من النصوص الجديدة والمعدلة لإنفاذ ما توافق عليه المشاركون في الحوار الوطني .ومنها إستحداث منصب لرئيس الوزراء وما يتصل بإحداث المنصب من علاقات بالهيئتين التشريعية والتنفيذية وكذلك تعديلات في قانون الانتخابات ليتيح إنفاذ التوصية بتعيين نواب وممثلين بالهيئة التشريعية وهناك نصوص تتعلق بتنظيم الهيئات العدلية وفصل النيابة العامة من وزارة العدل ونصوص أخرى لإنفاذ ما رأى المتداولون في الحوار الوطني التعجيل بإنفاذه قبل الدستور الجديد .لا شك أن الإشارات التي يبعثها إيداع هذه التعديلات إشارات مهمة. وأولها جدية أهل الحكم للمسارعة في إنفاذ التوصيات المتوافق عليها قبل جفاف مدادها. وثانيها العزم الأكيد على البدء الفوري في إصلاح مؤسسات الدولة بما يتوافق مع مرئيات الحوار الوطني .وقد كان الحوار الوطني هو ذاته وليدا لمبادرة الإصلاح التي إبتدرها المؤتمر الوطني وتبناها نيابة عنه رئيس الجمهورية ثم خضعت لها أجهزة الدولة كافة لما شرعها مجلس الوزراء وأعتمدتها الهيئة التشريعية. وقد شرع المؤتمر الوطني في وضع مصفوفة محددة لإجراء الإصلاحات في الحزب وأجهزة الدولة ومن ثم أنتقلت مسيرة الإصلاح إلى شوط جديد لما جعلها الحزب والرئيس شعارا لبرنامجه الإنتخابي( نقود الإصلاح نستكمل النهضة ) ومضت لتتمظهر في خطة لإصلاح الحزب وكذلكم البيئة السياسية من خلال الحوار الوطني وخطة إصلاح الدولة من خلال الوثيقة المعتمدة للإصلاح التي أجازها مجلس الوزراء وألزم الوزارات ببناء خططها وفاقا لها. وأما على صعيد الحزب فإنه رغم إستبطاء الكثيرين إنفاذ الإصلاح (وصاحب القلم أحدهم ) إلا إنه من غير الإنصاف ألا نشير إلى خطوات مهمة على جادة الإصلاح شهدها الحزب ومنها وأهمها مبادرة التجديد القيادي التي ترجل بموجبها حوالي الستين بالمائة من القيادات العليا للحزب ليسمحوا للحزب أن تجري دماء جديدة في شرايينه. وثانيها الإقرار العلني بالحاجة للإصلاح وجعله شعارا وبرنامجا إنتخابيا للحزب . وثالثها الإقرار بأن الإصلاح لا يمكن أن ينهض به الحزب الحاكم وحده ولو تآزر معه حلفاؤه المشاركون في الحكم ،فلابد من توسيع نطاقه على مستوى التصورات وعلى مستوى الشراكة الوطنية في الإيمان به والعزم على إنفاذه ليشمل أوسع طيف سياسي متاح ،ولذلك فإنه مما يحمد للمؤتمر الوطني وشركائه صبرهم ومصابرتهم على تلكؤ وتعلل وتدلل بعض القوى السياسية والحركات المتمردة في الإلتحاق به ، وهذا الحمد مشروط ليبلغ مبلغه أن يستمر الحزب وشركاؤه في الإيمان بأن توسيع الإقتناع بالإصلاح من خلال الحوار وإيقاف التعانف والإحتراب هدف جوهري لا ينبغي الحياد عنه مهما بعدت الشقة وكثرت في مزالقها العثرات. ولن تخلو العقول من الأفكار الخلاقة التي تدرأ الخلافات وتضيق شقتها ، وتقارب بين الفهوم وتلائم بين النفوس وتؤلف بنعمة الله بينها. وكذلكم فإنه مما يجب أن يحمد الحزب عليه في مجال الإصلاح فسحة في المجالس من خلال تخليه عن الترشيح في ما يقارب ثلث المقاعد المتنافس عليها جغرافيا ، وتبنيه فكرة إلغاء النسبة المشترطة للتمثيل للقوائم، وذلك لجعل فرصة التمثيل المتنوع بالبرلمان فكرة قابلة للتحقق مع كثرة الأحزاب وتكاثر إنشقاقاتها. بيد أن في روزنامة الإصلاح أمورا كثيرة مهمة لم تطلها يد الإصلاح بعد. وأول هذه الأمور مكافحة التكتلات القبلية والجهوية داخل الحزب وتفشي التنازع بسببها، ولا تزال السياسة المتبعة لا تبلغ مبلغ الرجاء في مناهضة هذه الآفة المشهرة والجاهلية المنكرة ، ولا يزال الحزب يتأثر في قراراته وإختياراته بمضاغطات أصلها جهوي أو قبلي. وثانية الأثافي بعد تلكم وليس بعيدا عنها هي عدم إنفاذ المعايير التي إعتمدتها وثيقة إصلاح الحزب عند إنتقاء قيادات الحزب والدولة ، وإرجاء الإنفاذ سببه عدم القدرة على تحقيق تقدم في مكافحة ظاهرة التكتل الجهوي والقبلي داخل الحزب . هذا التكتل الذي أصبح له تمظهرات تهدد التماسك الحزبي في كثير من الولايات . وثالثة ما نؤاخذ عليه الحزب هي ضعف قدرته على تعبئة قطاعاته وكوادره إلا إستثناء عند تعاظم التحدي وأما أمام التحديات الراتبة فما عنده إلا جهد المقل .
وثيقة الإصلاح الوطني :
ومهما بذل المؤتمر الوطني وأهل الحكم من جهود في الإصلاح فإن عليهم ألا يفوتوا الفرصة السانحة لتحويل وثيقة الإصلاح السياسي والمؤسسي إلى وثيقة وطنية عليها توافق وطني كبير بما توافق عليه المتحاورون في قاعة الصداقة . وذلك بإستيعاب ما توافق عليه هؤلاء في متنها وحواشيها ثم تحويل نصوصها إلى مصفوفة أعمال وواجبات وأعباء تلتزم القوى السياسية بالعمل إنتهاجاً لنهجها وإستقامة على جادتها.فلئن كان المؤتمر الوطني قد تواثق على خطة لإصلاح شأنه الحزبي فإن هذا غير كاف، وإنما يتوجب عليه أن يقود بالتوافق مع أهل الحوار مبادرة لإصحاح البيئة السياسية وأصلاح النظامين الحزبي والسياسي في البلاد. وكنت تمنيت قبل حين من الزمان يعد بالسنين ثورة تنتظم النظام السياسي بأسره والذي وصفته بأبي زلومة فقلت (إن الربيع الثوري الذي نحتاجه في السودان يبدأ بالثورة على الكلي قبل الجزئي ، ويطعن الفيل قبل طعن الظل. وأبو زلومة ههنا هو النظام السياسي بفكره القديم وخبرته غير المتوافقة وزعمائه التاريخيين، ولئن كان السودان هو الرائد للثورة العربية منذ نصف قرن من الزمان فهو مؤهل لقيادة ثورة من نوع جديد . وهي ثورة تعيد مواءمة الأوضاع السياسية والفكر السياسي والنخبة السياسية مع متطلبات الواقع وتحدياته . وأول شروطها هو رفع الوصاية الأبوية عن الأحزاب السودانية بدءاً بحزبها الشيوعي العتيد وأحزابها العربية الثورية القومية وأحزابها الوطنية التقليدية ، وانتهاءً بمؤتمريها الشعبي والوطني. فالبطريكية السياسية هي بيت الداء. ورغم أن الاحترام والإجلال محفوظ للزعماء الكبار فعليهم توسعة الطريق للأجيال الجديدة تحت شعار «دعه يعمل دعه يمر» فإن لم يفعلوا فإن ربيع الثورة السودانية قادر على إفساح الطريق للسابلة الشباب على الطريق السياسي.
ثم أن هذه الأحزاب قد صار حالها مثل حال من يسميهم الفقهاء تجار الوجاهة أي أولئك الذين ليس لهم رؤوس أموال يتاجرون بها في الأسواق. ولكن لهم سمعة بأن لهم أموالاً. ولهم وجوه هي رأس المال الذي به يحصلون رؤوس الأموال والأرباح. فليس سراً أن هذه الأحزاب ليس لها برامج أو مشروعات فكرية أو سياسية وهي لا تشعر بالحاجة إلى هكذا متاع . فالزعيم وأقواله ومأثوراته هو الفكرة والمشروع والبرنامج . وهذه بضاعة لم تعد مُزجاة في الأسواق ولا نافقة عند المرتادين والمتبضعين فالأجيال الجديدة التي أبصرت الدنيا وعرفت ما عليه الناس في شتى بقاع العالم تعاظمت تطلعاتها وكبرت أحلامها . ولن تقبل إلا بأفكار واضحة جلية تشير إلى مقاصد وغايات تلائم آمال الناس وأحلامهم ، وتستجيب لتطلعاتهم ولو بعد حين) ولا شك عندى في صحة ما تمنيته بالأمس ولكني اليوم أهدأ أنفاسا وأكثر تفاؤلا بالإصلاح ولو لم يذهب كل رموز النظام القديم فما نتمناه عليهم أن تذهب بعض عاداتهم القديمة. نحن اليوم أقرب للتوافق ولكن التوافق على غير خطة وبرنامج سرعان ما تهب عليها سافيات الرياح فيذهب بددا. والخطة هي ترتيب النظام السياسي على أساس مقتضيات الأفكار لا على تطلعات الأشخاص ،وذلك من خلال التوافق على نظام حزبي ديموقراطي يلزم الأحزاب بديموقراطية داخلية ويحاسبها عليها محاسبة جماعية من خلال هيئات متوافق عليها، لا ينتهي فعلها عند التسجيل ولا فض النزاعات . وإنما هي هيئة للتمويل والتدريب والتأهيل القيادي الحزبي وللرقابة القانونية على الديموقراطية الداخلية والنهج التعاقبي للأجيال والنزاهة المالية. أما كيف نتوصل إلى ذلك مهما صعب السبيل إليه فسؤال يُجاب عليه بالإستعانة بأفضل الممارسات من التجارب العالمية وبإجهاد العقول في البحث عن الملائم لحالنا وظرفنا ووضعنا ومزاجنا. ومما لا شك فيه أننا إن عجزنا في إغتنام الفرصة لإصلاح النظام السياسى الآن(وليأذن أصحاب الملكية الفكرية للأسم ) فسوف ننتهي إلى إختزال الحوار إلى مشاركة آنية في حكومة وفاق لن يستمر وفاقها أمدا طويلا.
نواصل.