الدبلوماسية السودانية .. فعالية في أروقة الأمم المتحدة

مكي المغربي

مكي المغربي

على كثرة ما شهدته من قمم دولة وإقليمية وما كنت أرصده من دقة التنظيم وأفواج البشر والوفود الرسمية والتي «تتأبط» ملفات سياسية واقتصادية وعسكرية من الوزن الدولي الثقيل، إلا أن ما أثار اعجابي في الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة – نيويورك سبتمبر 2016 هو السودان وليس شيئا غير السودان. لقد كنت بعين العقل والمهنية قبل العاطفة والمحبة معجبا ببلادي ووزنها وأدائها في المحفل الدولي.
السودان الآن في مركز خارطة التحالفات الاقليمية رغم أنف الكارهين، وكثير من الدول باتت تثق في السودان، وتنصره ليس حبا له أو خوفا عليه، ولكنها لاحظت أن السودان منتصر في أمور كان من المتوقع ان توديه في «ستين داهية!». صمد السودان أمام الجنائية وتبعته أفريقيا، وصمد في فوضى الربيع العربي، والآن أثبتت الحملة الشرسة ضد السعودية في الميديا والكونغرس أن مواقف السودان المسبقة كانت متقدمة حتى البيان الرئاسي ضد هذه الحملة الذي كال له البعض نقدا، قلنا في حينها انه حجز للسودان موقفا مبكرا ، وأن أوباما لن تسهل عليه السيطرة بالفيتو على الموضوع ، الأمر الذي يتطلب تضامنا أقوى من الدول التي تواجه تلفيقات الارهاب. السودان الآن في قلب عاصفة الحزم وفي صدر الشورى الدولية حول ليبيا، وهو بيت الخبرة – شائوا أم أبوا – لحل مشكلة الجنوب، وهو الأحكم والأقدر في قضايا الإرهاب والهجرة والاتجار بالبشر والجريمة العابرة. السودان هو الجيش الذي تفككت من حوله جيوش، والنظام والذي تهاوت من حوله الأنظمة، السودان كان ولا يزال مثيرا للإعجاب في المحافل الدولية.
قطعا القوة هي قوة الشعب والدولة التي اختارت السلام والحوار في موضعهما والحرب وصلابة المواقف في موضعهما، لكن لا يفوتنا تثمين مقدرة وزارة الخارجية والوزير البروفيسور ابراهيم غندور في توظيف قوة السودان ووزنه في هذا المحفل الدولي. ومع أنني أعرف الرجل من قرب إلا أن ما اكتشفته هذه المرة في شخصيته هو امتلاكه لأحدث وأسرع «محول» من «الملتي إلى الباي» واكتبها هنا بمصطلحات الخارجية ثم أعود لها بالشرح، فالنشاط السياسي متعدد الاطراف «ملتي لاترال» يختلف تماما من الثنائي «الباي لاترال» يختلف حتى في نبرة الصوت وتعابير الوجه ودرجة الصراحة واللغة المستخدمة، والمعلومات المطلوب توفيرها، يختلف في المزاج والنكهة، وربما يحدث التغيير أثناء العمل أوفي لحظة للاستعداد للمقابلة الثانية، قد يحدث بعد أن تنتهي من الاجتماع متعدد الأطراف في جولة وتلتقي بعضهم منفردا على الهامش وتتحدث معه بالثنائي لمدة دقائق ثم تعود للمتعدد وهكذا. من الناس من يتقن نوعا واحدا ويجوده، لكن اتقان الاثنين معا، والقدرة المذهلة على «ضبط الايقاع» أمر برع فيه غندور.
سبقت الجمعية العامة قمة عدم الانحياز في فنزويلا وعاد البروف من قمة عدم الانحياز بعدة مكاسب ولم تهدأ ثائرة نشاطه ليسجل الرقم «أربعين فعالية» للمرة الثانية في نيويورك. ومن الشرفة كنت أرقب بيان السودان حيث القى الوزير بيان السودان في الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتناول البيان «في أقل من عشر دقائق!» أهم التحديات التي تواجه السودان والأسرة الدولية … الحوار والسلام وغيرهما، ثم تطرق إلى ظاهرة الارهاب معتبرا انكار حقوق الشعوب من اقوى اسباب تفشي الارهاب في العالم. واشار الى جهود السودان المتميزة والمستمرة في مكافحة الارهاب وكان اخرها «مؤتمر دور الاعلام العربي في مكافحة الارهاب» والذي صدر فيه «اعلان الخرطوم». هذا غير تطوافه على قضايا الجنائية والعقوبات الأمريكية بما يشفي الصدر ويحفظ مكانة السودان.
اللقاءات الصحفية كانت مع النهار المصرية، والجزيرة الإنجليزية، وجورج بومقارتن النمساوي الأمريكي شيخ المراسلين في الأمم المتحدة، ولينا يعقوب من الشروق والسوداني وسكاي نيوز الإنجليزية، بالإضافة للنقل المباشر لبيان السودان، ونأتي في الختام على لقائه بهيئة التحرير في نيويورك تايمز.
فريق الاتصال الدولي حول ليبيا ولقاءات خاصة مع سيرجي لافروف وسامح شكري والنقاش يمتد هنا وهناك عن دور روسيا مجلس الأمن في قضايا السودان وعن التجارة والمعادن والحدود ويعود إلى الاجتماع ليتحدث فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي عن حركة العدل والمساواة المتمردة على الحكومة السودانية وأنها جزء أصيل في الصراع في ليبيا، وتدور الرؤوس مجددا نحو غندور ولافتة السودان شامخة على المنصة. ثم تبدأ «الثنائيات الأوربية» ألمانيا، التشيك، المجر، كوسوفو، ، ويأتي اللقاء مع الرئيس إدريس ديبي وما فيه من ونسة وضحك سوداني ودعوة الرئيس له لحضور جلسات الجمعية العمومية للحوار الوطني في العاشر من أكتوبر ، وكانت هذه المحطة بالذات أشبه بقدح من مديدة الدخن الساخنة وسط أمطار نيويورك الباردة.
القائمة تطول وقد تفلت مني بعض النقاط ولكنني أستحضر لقاءات وزراء خارجية أذربيجان، ليبيا، مصر، الأردن، الإمارات، تشاد، جنوب السودان، غانا، أنغولا، موزمبيق، بوتسوانا، واريتريا. ثم نعود لـ «الملتي» مع الأمين العام للأمم المتحدة، رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الاجتماع السنوي لوزراء خارجية مجموعة الـ 77 والصين، والاجتماع الوزاري للبلدان الأقل نموا، الاجتماع رفيع المستوى حول المهاجرين واللاجئين، الجلسة الوزارية عن داعش، وأتوقف هنا حتى لا يتحول لأنني لو كتبت قائمة اللقاءات احتاج إلى قرابة الـ 300 كلمة لمجرد رصد عناوين اللقاء الشاملة للأزمة السورية وجنوب السودان والبيئة والكثير والكثير.
تم إنجاز قرابة الأربعين لقاء ثنائيا أو متعددا أو حوارات ومناقشات إعلامية وكان أداء البعثة في نيويورك بقيادة السفير عمر دهب احترافيا ومذهلا وكانت ترتيبات البعثة في واشنطون في المسار الامريكي السوداني بقيادة السفير معاوية عثمان خالد حصاد السنين في ضبط النفس والقراءة العميقة المتأنية، وقد كانت هذه القضية حاضرة في كل الحوارات الصحفية التي أجريت مع غندور والأسئلة المشروعة التي واجهته عن الكتمان الاستثنائي، وكانت اجاباته كلها تتحدث عن أمر جار أكثر من نتائج، وعن مطالب وحقوق سودانية أكثر من «صفقة» فيها مطالب من الطرف الآخر، ولا بد من التأكيد هنا على أن موقف السودان مؤسس وأن الطرف الآخر يدرك الاحتياج للسودان وللحكومة الحالية ويدرك أن قيامها بالدور الكامل والمطلوب تجاه الإقليم والمجتمع الدولي رهين بالاستجابة لمطالبها… كلها أو بعضها .. وهنا يدرك شهريار الصباح … الذي يطول لمدة شهر تزيد أو تنقص قليلا وبعدها يرى الناس نتائج المحادثات الامريكية السودانية المباشرة.
في نيويورك تايمز كان غندور ثابتاً و «فناناً» كالعادة في مواجهة تعابير وأسئلة بدأت متجهمة للغاية ثم انفرجت الأسارير رويدا رويدا، وكانت بحق جلسة المكاشفة والصراحة الأولى من نوعها بين حكومة السودان والميديا الأمريكية.