إشارات واشنطون الإيجابية تجاه الخرطوم …خطوات نحو التطبيع

مسارات

مسارات

العلاقات السودانية الامريكية في عهد الانقاذ الوطني لم تصل مرحلة متقدمة يمكن ان توصف في في قاموس الدبلوماسية بأنها حسنة ، وظلت تلك العلاقات في حالة شد وجذب ، بالرغم من التحولات الكثيرة التي شهدها العالم ،ومنها انهيار الاتحاد السوفيتي ،وتذبذب الاقتصاد العالمي وانهيار سعر النفط والتطورات التي حدثت في الصراع العربي الاسرائيلي والحدث الأكبر الذي غير مسار الاحداث وهي احداث سبتمبر 2001م والتي هزت قلب العالم وقلب الولايات المتحدة وظلت العلاقات السودانية الامريكية ، محلك سر ، وبالمقابل شهد السودان تحولات كبيرة من الهجوم الذي حدث على مصنع الشفاء في العام 1998م والهجمات الاسرائيلية التي نفذتها في عدة مواقع داخل السودان بالاضافة الى الحصار الاقتصادي والعسكري الامريكي وتنشيطها لحركات التمرد قبل الانفصال وتأليب دول الجوار ، وكان الحدث الاهم هو انفصال الجنوب الذي سعت اليه الولايات المتحدة بكل الوسائل ، وكل الذي حدث في تاريخ العلاقات السودانية الامريكية في عهد الانقاذ لم يجعل الولايات المتحدة تبدي مرونه ظاهرة بل ظلت واشنطن تعمل جاهدة في ان تجعل السودان في نقطة واحدة لا يتحرك منها الى الامام بل يتحرك الى الخلف فقط .
والخرطوم كانت تدرك ان واشنطون كان تعمل من اجل حلفائها في المنطقة ، باعتبار ان السودان لو نهض بما تم التخطيط له فإنه سوف يحدث تغييرا كبيرا في المنطقة ولهذا السبب حرصت امريكا ان تربط قدمي الانطلاق عند السودان بقيود كثيرة منها الحرب الاهلية وتأليب دول الجوار والحصار الاقتصادي والعسكري ، والخرطوم بدورها سعت من اجل ان تكون العلاقة مع واشنطن طبيعية فيها تبادل مصالح وتمثيل دبلوماسي و استثمارات في مجالات مختلفة يمكن ان يكون السودان المصدر الاول لها في العالم مثل الصمغ العربي وانتاج الحبوب الاخرى مثل السمسم والفول السوداني وغيرها بالاضافة الى استصلاح الاراضي ، وامريكا تدرك أهمية السودان الاستراتيجية والجغرافية وما يتمتع به من موارد ،
ولكن ظل الموقف الامريكي كما هو طوال السنوات رغم المرونة التي ابدتها الخرطوم ، وتوافد المبعوثين الامريكان بمختلف مهامهم ، ووقوفهم على الاوضاع في السودان ميدانيا ،واستحسانهم لها الا ان تقاريرهم حين العودة الى بلادهم تختلف تماما عما اشادوا به في الخرطوم .
وظلت حالة العداء الامريكية تجاه السودان ذات تأثيرات واضحة في علاقات السودان الخارجية في مستويات محددة ولكن الخرطوم بدبلوماسيتها حاولت خلق حالة توازن ، وكان الاتجاه نحو الشرق الى الصين وماليزيا والهند ، فقد قلل هذا من الحصار الامريكي ، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما تم استخراج النفط بفضل ذلك التعاون مع دول الشرق وهذا مما زاد غيظ امريكا بسبب الانفراج الكبير الذي ناله السودان بفضل تلك السياسة والاتجاه شرقا .
والناظر الان الى حال العلاقات السودانية الامريكية يجد تصريحات ايجابية من جهات مختلفة من الادارة الامريكية ومنسوبيها الذين زاروا السودان اخيرا ، ولعل اهم ماصدر في هذا الاتجاه هو بيان الخارجية الامريكية والذي دعت فيه حكومة جنوب السودان الى الكف عن دعم الحركات المسلحة السودانية والتي تنطلق من اراضيها ، بعد ماتبين لواشنطون ،ان جوبا تدعم وتؤوي الحركات المسلحة المعارضة ،ولم تكتف واشنطون بإدانة جوبا بل دعت الطرفين في السودان وجنوب السودان الى تنفيذ اتفاق الترتيبات الامنية الموقع بين البلدين عقب انفصال الجنوب في العام 2012م ،
وتعتبر هذه الخطوة واحدة من الاشارات الكبيرة التي تصدر من الادارة الامريكية في هذا الشأن وهي التي كانت ترعى كل حركات المعارضة والتمرد قبل وبعد انفصال الجنوب وكونها تعترف بأن جنوب السودان يؤوي ويدعم الحركات المسلحة المعارضة في هذا الاعتراف تحول باعتبار ان دولة جنوب السودان هي اخر مولود رعته الولايات المتحدة ولكن تبين لها ان هذا المولود يعاني من تشهوهات خلقية وضمور وهشاشة في العظام ويعاني من امراض يصعب معالجتها من بعيد مثل الليزر او بالتدخل الجراحي المباشر ، فالادانة لجوبا مؤشر ايجابي .
وكانت تصريحات المبعوث الامريكي دونالد بوث في دارفور والخرطوم ايجابية الى الحد البعيد ، حيث اكد دعمه للحوار الوطني ،واعتبره خطوة تخرج السودان من دائرة الصراعات والنزاعات ، بل ذهب ابعد من ذلك عندما طلب الوسيط الافريقي ثامبو أمبيكي الى حث الممانعين للانضمام للحوار وجدد دعم جهود السلام في دارفور .وفي لقائه بالامين العام للحوار الوطني البروفيسور هاشم على سالم وعد المبعوث الامريكي بأن تلعب بلاده دورا في إلحاق الممانعين للانضمام لوثيقة الحوار الوطني ، وبهذا الوعد تقدم بوث خطوة الى الامام ففي دارفور دعا الوسيط الافريقي وفي الخرطوم قدم وعد بلاده .
واذا كان بوث قال حديثه الايجابي في جنوب دارفور ففي شمال دارفور أعلن وفد مجلس الشيوخ الأمريكي، برئاسة السيناتور مايكل فيلان، ، حرص بلاده على دعم سلام دارفور والمساهمة في توفير المساعدات للنازحين بمناطق العودة، والمساعدة في الانتقال السلس من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة العون التنموي.
وأوضح مايكل فيلان خلال لقائه والي شمال دارفور، عبدالواحد يوسف إبراهيم، بمدينة الفاشر، أن المعونة الأمريكية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مرحلة العون التنموي.
وأشاد فيلان بجهود حكومة شمال دارفور في مجال تطبيع الحياة العامة للنازحين والمصالحات بين المكونات الاجتماعية وجمع السلاح، واستعرض تجربة الولايات المتحدة في السيطرة على الأسلحة وتعزيز الأمن الاجتماعي .
وشهادة السيناتور الامريكي مايكل فيلان ، تصب في شهادة المبعوث الامريكي دولاند بوث ، وتأكيده على حرص بلاده على دعم السلام في دارفور ،فإن هذه التصريحات قد تخلق واقعا جديدا في العلاقات السودانية الامريكية .
وفي ندوة افاق العلاقات السودانية الامريكية والتي نظمها مركز العلاقات الدولية امس الاول في مركز الشهيد الزبير فقد امتدح ممثل الوفد الأمريكي الذي يزور البلاد حالياً والذي شارك في الندوة ، ونتر كلر، الخصال التي تتمتع بها العمالة السودانية بمختلف مواقعهم، مؤكداً أنها من أفضل العمالة حول العالم
وأشار ، إلى الموارد الطبيعية الكبيرة التي يتمتع بها السودان خاصة الموارد المائية ومميزات الأرض والثروة الحيوانية، لافتاً إلى أن كل ذلك يصدّر إلى الخارج كمواد خام.
وقال كلر إنها تحتاج إلى الآليات الحديثة في العمليات الزراعية، موضحاً أن الحصار الاقتصادي من أكثر المعضلات التي تواجه الاقتصاد السوداني»، مؤكداً أن ثمة معلومات مغلوطة يتم تداولها في أمريكا تتناول السودان بصورة سلبية.
وحديث ونتر كلر قد حدد نقاطا معينة تمس جوهر العلاقات بين الخرطوم وواشنطون .
ويبقى السؤال هل هذا التحول حقيقي يعبر عن فهم جديد لواشنطون تجاه الخرطوم خلاف السابق ، وان الولايات المتحدة ادركت أهمية السودان فيما سبق واستجد من قضايا مثل مكافحة الارهاب وتجارة البشر ، وان طبيعة اهل السودان التي اشار اليها ونتر كلر ومن قبله المنظمات بأن السودان هو الدولة الثانية في العالم من حيث الامانة والنزاهة . ان الايام القادمة ستكشف ماوراء هذه التصريحات الايجابية .