عمارة الذهب ووسط السوق العربي.حرق الزئبق يصدر دخاناً أصفر اللون يكتم الأنفاس

الخرطوم: أمنية عبدالرحيم

30-10-2016-05-4تبدو الاجواء طبيعية والمكان يعج بالهدوء ليس هناك زحام لا تبدو ملامح تراكم نفايات امام البناية متعددة الطوابق والمزدانة من الخارج بالالوان الذهبية … كان بعضهم يحث الخطي نحو المسجد فقد كان مؤشر الساعة يشير الي الواحدة ظهرا .. حسنا فقد كان القوم في طريقهم لاداء صلاة الظهر ،كان اللافت وجود عدد من فتية الاورنيش والباعة المتجولين الذين اتخذوا ظل البناية ليقيهم اشعة الشمس الحارقة وهو توجه اعتادوا عليه اذ يظلون منذ الصباح الباكر حتى المغيب يفترشون الارض ويلتحفون السماء من اجل لقمة عيش حلال … بهاء المكان والبيئة المحيطة لم تجعلني اتذمر او اصدر أي شعور بالضيق او نحوه كما قد يحدث في الاماكن والطرقات الاخرى غير ان حالة من الخوف انتابتني من مناداة بعض الشباب والرجال بصوت منخفض، تناسيت الخوف وتركت لفضولي يتحسس سبب معرفة وقوف هؤلاء الرجال في شمس النهار التي تكاد تحرقهم لولا رعاية الله وحفظه وماذا يعنون بكلمة «صرف … صرف» ، جملة من التساؤلات دفعتني لسؤال احدهم فرد علي بهدوء تام نعم يا استاذه عاوزة تصرفي؟ عرفته بنفسي واخبرته السبب الذي اتيت من اجله …. رد ثانية لم يكن بنفس اللهفة التي استقبلني بها في البداية ربما لانه عرف ان لا فائدة من الحديث الي ، سألته عن اسعار الصرف والعمل كيف يجري ؟ ومدي الاستفادة ؟ رد متصنعا ليخبرني باسعار الصرف شكرته واتجهت ناحية مثار الحديث والتي هي عمارة الذهب ..
كنت عندما اقف امام أي مكان اترك لصاحب المحل ليناديني وبشريات الفرح تملأ وجهه باعتقاد انه موعود بصيد ثمين وانني لا محالة ساشتري بعض الصيغ قطعة من الذهب حتي يكتشف بعد حين اني مجرد صحفية اتيت لمهمة اخري، توجهت نحو شاب يوجد بمحله عدد من الفتيات بدا مندمجا في عد المبلغ فلم يرد علي متعللا بانه مشغول يمكنني زيارته في وقت لاحق . تجولت داخل الصالة شرقا ، غربا ، يمينا وشمالا قائلة في نفسي ان سبب الهدوء هو خلو العمارة من الزبائن الذين يحدثون الضجة بالازدحام .
اثناء تجوالي ناداني احدهم … رجل في السبعين شكى مر الشكوى من الوضع الذي آلت اليه البلاد ومن تذبذب الدولار وغلاء المعيشة وزاد «يا بتي الناس لاقية تاكل عشان تشتري ذهب» ليخبرني بعدها انهم مؤمنون بالحظ ومتمسكون بالامل ان تشرق شمس من جديد.مخرجات دون نتائج
حالة من الركود التام ضربت سوق الذهب جوار المسجد العتيق جراء الاوضاع الاقتصادية القاسية التي آلت اليها البلاد في الفترة الاخيرة، هكذا ابتدر التاجر كباشي الطيب بهلول صاحب مجوهرات القدال حديثه مشيرا الى اسعار البيع والشراء الخميس اذ بلغ سعر الجرام «620» للشراء و«540» للبيع، وفي مقارنة بسعر الشراء قال كباشي: «عندما نشتري الذهب نعمل علي جمعه واعادة صناعته ما يتطلب رأس المال الامر الذي ادي الي قلة سعر الشراء» ووصف حال السوق بالركود مبديا قلقه بسبب الازمة الاقتصادية التي طال امدها مضيفا ان مخرجات الحوار الوطني انتهت دون معالجة قضايا المواطن المسكين.
تاجر اخر يدعي عثمان احمد ادريس اضاف ان الغالب في الاونة الاخيرة هو البيع. الناس لا تجد ما تأكل جراء السياسات الفاشلة والوضع الاقتصادي الراهن الذي افقد المواطنين الامل في صلاح الحال بعد مخرجات الحوار.
زاهر التاج وصف الاسعار بالمتغيرة اليوم تلو الاخر فسعر اليوم للبيع 650 ج و 540 جنيها للشراء وغدا سعر جديد، غير انه يرى بان الغالب في حركة السوق هو الشراء واصفا حالة السوق بالركود التام. فيما لم يخف نزار احمد ضرار ضجره من الوضع الذي صار اليه السوق في الفترة الاخيرة جراء تذبذب السيولة.
وين النفايات ؟
خلال تجوالي لم يقع نظري – كما اعتاد في اسواق العاصمة – على اكوام نفايات و المياه الاسنة و بقايا الاطعمة والاوراق المتناثرة في البناية ولغرابة الامر سألت شباب الاورنيش عن سر النظافة فاجاب احدهم بانتظام عربة النفايات بصورة دائمة ويوميا ،اضافة الى عدم وجود الكافتريات ومجمعات السلع الاستهلاكية وبعدها عن العمارة والاماكن المجاورة ، كما ان تراكم النفايات من شأنه ابعاد الزبائن والسياح عن السوق.
ويسألونك عن الزئبق
يستخدم الزئبق هنا بكثافة بهدف اذابة الذهب وللوقوف على اثر استخدام الزئبق سألت حاجة طاعنة تجلس تحت ظل المسجد الكبير القيت عليها التحية و عندما وقفت علي هويتي لاذت بالصمت وبدت علامات القلق عليها واضحة .. عندها اجابني احدهم بان حاسة السمع لدي الحاجه ضعيفة .. كان الرجل اجنبيا عرفني بانه سوري يعمل في العمارة المجاورة حدثني قائلا: «اهل السودان مثل سائر العرب يخشون كشف الحقائق لكني ساخبرك بما يحدث فعلى سطح عمارة الذهب يتم حرق الذهب وتصفيته وغسله بماء الزئبق حيث عادة ما تتم العملية في المساء واحيانا بالنهار ، وقد شكى اصحاب العمارة المجاورة لبرج البركة من عملية حرق الزئبق بل ان اصحاب بعض المحلات انتقلوا الى عمارة اخرى»، ورأى السوري ضرورة نقل العملية من ذلك المكان حتى لا يتضرر المارة والعاملون، وان تتم العملية بعيدا في معامل او مصانع في الخلاء بعيدا عن المواطنين فمادة الزئبق واستنشاقها من شأنها احداث تأثير على الرئة فضلا عن تسببها في مرض السرطان.
عدت ادراجي نحو عمارة الذهب مرة ثانية لمعرفة تفاصيل اكثر دقة حول الموضوع، التقيت بالشاب احمد السماني احمد تبيدي صاحب مجوهرات سألته عن الزئبق فاجاب: «الزئبق مادة منتجة عن بخار تتفاوت درجة تأثيرها من شخص لآخر وبحسب كيفية التعامل معها في عملية الحريق لان البشرة تختلف»، وبحسب احمد فان عملية الغسيل للزئبق ليس لديها تأثير بقدر تأثيرها اثناء الحرق على الرئة وتسببها في السرطان وامراض اخري ، واخبرني انهم كصاغة يتعاملون بالماكينات والورش الجاهزة ونادرا ما تتم العملية فوق السطح ـ على حد قوله ـ واضاف ان لاستخدامات الزئبق منافع نظرا لانه المادة الوحيدة التي يمكن عن طريقها جمع الذهب، وتحفظ احمد في رده على بعض اسئلتي فتركته ويممت صوب آخر لعلي اجد اجابات اكثر شفافية ترضي فضولي.
دلفت الي داخل احد المحال، رد صاحبه التحية بابتسامة عريضة مستبشرا بي خيرا ظانا بأني جئت لشراء دبلة خطوبة او اكسسوار رفيع ليفاجأ بأني صحفية عندها تغيرت ملامحه تماما حتي خفت ان يصرخ في وجهي ان اخرجي، رد علي قائلا: «نحن ما بنتكلم للصحافة» لم ايأس من رده وكنت اكثر اصرارا لمعرفة الحقائق، وفي اثناء مروري همس الي احدهم بصوت منخفض اتفضلي يا دكتورة، سألته عن مخاطر حرق الزئبق على الصياغ والبيئة المحيطة فنفى وجود اي اعمال حرق بالعمارة وذلك حفاظا على صحة المواطنين الذين يمكثون اوقاتا طويلة بالسوق اضافة الى وجود المحلات مكتظة بالاهالي مثل محال بيع الملابس اضافة الى وجود الكافتريات والسواح والمصلين بالقرب من المبنى.
«ليس هناك أي تأثير» بهذه الكلمات ابتدر بائع الادوية والعقاقير البلدية داوؤد عبدالله البشير … كان داؤود مختلفا عن الآخرين اذ تبدو عليه علامات الوقار والرضا التام جالس يحمل في يده مسبحة وقد افترش ادويته البلدية عرفني على اسمائها «منها الهشاب، ودواء آخر لاول مرة اسمع به «خرطوش»، بوري لعلاج البلهارسيا ،المهوقني لعلاج ألم البطن وعدد من الاوعية الزجاجية تحمل مجموعه من الادوية.
شكاوى بسبب تعدد الجبايات
صاحب عطارة يدعي عبدالسلام الخير ابدى استياءه من الاوضاع التي آلت اليها البلاد مؤخرا، ورغم الانتظام في دفع رسوم النفايات والجبايات والضرائب الا انهم لا يجدون اي خدمات توازي الاموال التي يدفعونها، واكد ان عملية حرق الزئبق تتم نهارا جهارا.
اما يوسف آدم وهو شاب لم يتجاوز الخمسة عشر عاما وقد التقيته امام عمارة شعبة التعليم المفتوح فقد كان مشغولا بغسل أمجاد وقد ارتسمت على وجهه علامات الرضا فقال يحدثني ان عملية حرق الزئبق تتم من الساعة الثامنة صباحا وتستمر حتى المساء، وتحدث عن الرائحة النفاثة التي تنتشر نتيجة حرقه مؤكدا انها تعمل على كتم النفس لفترة من الزمن ، اما «ست شاي» التي فضلت حجب اسمها فقد شكت مر الشكوى واشارت الى وجود ورش فوق سطح العمارة يخرج منها دخان اصفر اللون وطلبت مني ان امكث حتى ارى بأم عيني ما يحدث.
علي الشائب ابراهيم صاحب محل ملابس وصف حالة السوق بالركود، غير الرسوم والجبايات وكروت الصحة والايجار الثابت للبرندات التابعة للحكومة، وقال ان الايجار وصل ثلاثة آلاف والبيع لا يثمن ولايغني عن جوع.
نقل المواقف .. اثر بالغ
كشف صاحب مرطبات الشامية احمد ابراهيم حسن في حديثه «للصحافة» ان نقل المواقف اثر على حركة البيع خاصة وسط الكافتيريات، كما ان الضرائب ورسوم النفايات والرخص والكروت الصحية انهكت اصحاب المحال وبات الدخل لا يكفي.