الشيخ عبدالله فضل الله سيرة ومسيرة من العطاء

كتب : عوض الكريم عبدالله فضل الله
31-10-2016-09-4ودعت قرى غرب المحمية بمحلية الدامر نهايات فبراير الماضي علماً وزعيماً من قادة الادارة الاهلية في عهودها الزاهرة يوم كانت لها صولة ودولة فقد غيب الموت الشيخ عبدالله فضل الله الأمين شيخ قرية الجابراب، أما مآثره ومحاسنه فستبقى حية شاهدة على عطائه وسيرته التي كانت كلها عملاً وجهاداً مخلصاً في سبيل خدمة أهله ووطنه ورفعة المنطقة . ولد الشيخ عبدالله فضل الله بقرية الجابراب في العام 1924م ونشأ وترعرع في بيت عريق في الامارة والقيادة فوالده الشيخ فضل الله الامين أحمد كان شيخاً لقبيلة الجابراب وزعيماً من زعماء الجعليين ، أما ابن عمه العمدة محمد بشير فقد كان هو الاخر عمدة المنطقة ،ومن قبلهم كان عمه محمد بشير فاضل أميراً على الناحية في فترة المهدية ، نشأ رحمه الله في هذا البيت الخبير في شؤون الحكم والادارة فشهد وعرف كيف تنعقد المجالس وتجرى المشاورات وتواجه الازمات وتتخذ القرارات وتحل الخصومات فاكتسب ذخيرة وافرة ومهارات فائقة في أمر القيادة كانت له خير معين في ما أقبل عليه من مهمات جسام ، شهد هذا كله وغيره كثيرا مع شقيقيه الفاضلين الداعية الاسلامي الشيخ الراحل محمد فضل الله أحد أبكار حركة الاخوان المسلمين في السودان ، والشيخ العالم المعهدي الازهري الاستاذ حسن فضل الله الأمين أمد الله في أيامه . حفظ الشيخ عبدالله القرآن الكريم وتلقى علوم اللغة العربية والفقه والحساب والأدب على يد عمه العلامة الشيخ محمد فرح الهاشمي وعرف منذ صباه الباكر بالذكاء والفطنة والشجاعة في الموقف والرأي مما أهله لأن يختاره أهله شيخاً عليهم وعمره لم يتجاوز بعد الستة وعشرين عاماً . و فترة وجيزة من توليه المشيخة أثبت الشيخ عبدالله نجاحاً وتميزاً فقدم له مجلس ريفي شندي الذي كانت تتبع له المنطقة شهادتين تقديرتين اعترافا وتقديرا لكفاءته وامانته وقيامه بواجبه على أحسن ما يكون . لم يقصر الشيخ نشاطه في الادارة الاهلية وحدها على عظم ما تولاه فيها من مهام وما حققه من نجاحات ، بل امتد بذله في العمل العام فكان عضوا بلجنة الزراعة التي يرأسها المفتش البريطاني وتتولى تقديم المشورة له في قضايا المشروع الزراعي وتشكل قناة الاتصال بين الادارة والمزارعين فاستطاع بعضويته في هذه اللجنة وبالتعاون مع أخوانه من أعضائها التأثير بشكل قوي وظاهر على قراراتها لحماية المزارعين ورعاية مصالحهم ،وفي منتصف العام 1969م أسس مع أخوانه اتحاد مزارعي مشروع الكتياب الزراعي الذي مثل قيامه نقلة حديثة في مسيرة المشروع تعاوناً مع الادارة من اجل استقرار المشروع وتطوره وحماية حقوق المزارعين وارساء ثقافة العمل النقابي ، وقد لايعرف الكثيرون ان الشيخ الراحل كان صاحب المبادرة وأول من اقترح التوسع في البستنة وزراعة الموالح في مشروع الكتياب الزراعي فسعى بجد لاقناع وزارة الزراعة بهذا الاقتراح واتفق مع ادارة البساتين في شندي على تخصيص نسبة سنوية مقدرة من انتاجها من شتول الموالح للمشروع فأثمر جهده توسعاً هائلاً في بستنة المشروع وأثمر خيراً ونفعاً وحقق فوائد اقتصادية لايزال الناس يجنون فوائدها الى اليوم . والشيخ عبدالله فضل الله بالرغم من نشأته الريفية وتعليمه التقليدي الا انه كان دوماً صاحب تطلعات منفتحة نحو المستقبل مهموماً ومتحمساً لقيام المؤسسات الحديثة فدعم من موقعه القيادي وبقوة قيام المدارس الحديثة وظل رئيساً وعضواً فاعلاً في لجان تأسيسها وادارتها ودعم وبحماس شديد انشاء مدرسة لتعليم البنات وناد للشباب ، وكم كنت تجده سعيداً وهو يراقب ويسمع بنجاح ابناء وبنات المنطقة وهم يرتقون في سلم التعليم الجامعي ويحرزون الشهادات العليا يملؤه الفخر والسعادة بأن الغرس قد أثمر فقد كان مؤمناً بأن التعليم هو سبيل الرفعة والنهضة التي يرجوها لأهله . الهم الوطني العام كان حاضراً في حياة الشيخ الراحل فنشط في الحركة السياسية عبر الحزب الوطني الاتحادي ورئيسه الزعيم الخالد اسماعيل الازهري ، ثم تحول لاحقاً الى حزب الشعب الديمقراطي ، وكانت داره محضناً ومنزلةً للدعاة الأول للحركة الاسلامية الذين قدموا الى تلك الديار يبشرون بالدستور الاسلامي أمثال الاستاذ يس عمر الامام والشيخ الراحل محمد محمد صادق الكاروري رحمهما الله والشيخ سيدأحمد العدسي أمد الله في أيامه ، فقد كان رحمه الله ملتزماً دوماً في عمله السياسي بثوابت الوطن والاسلام داعية للتحرر مناهضاً للتبعية والانقياد . وبعد أن نال منه المرض وأوهن جسده أضطر الشيخ لمفارقة بلدته الجابراب التي أحبها حتى يكون قريباً من مراكز العلاج في مدينة شندي إلا أن روحه ظلت معلقة بها يتابع اخبارها ويسأل عن احوالها ويبذل الرأي والمشورة لأهلها ، وكم كان سعيدا بقيام القريتين النموذجيتين للجابراب والكتياب فقد وضع مع اخرين اللبنات الأولى لهذا العمل في اعقاب فيضان العام 1975م بتخطيط محكم لاعادة توطين سكان القرية التي هددها فيضان النيل الى قرية حديثة مخططة تتوفر لها المؤسسات العامة والخدمات الضرورية والمساكن الصالحة دون أن تفقد طبيعتها الريفية وترابطها الاجتماعي الموروث . لقد مثلت حياة الشيخ عبدالله فضل الله الأمين مزيجاً عجيباً من المعدن الطيب والاستعداد الفطري للقيادة الذي رعته نشأة صالحة أكسبها العلم قوة وسلطانا فأنتجت قائداً عاقلاً متزناً مرناً في غير ضعف ، قوي الشخصية شجاعاً جريئاً بلا طغيان أو تهور فصيح اللسان يضع الكلام في موضعه ، حكيماً معتدلاً في مواقفه ، انسانياً محباً للناس جميعاً ، أحب اهله فأحبوه وعمل من اجلهم فأعانوه وحزنوا يوم موته وشيعوه بقلوب حزينة الى مرقده الاخير الذى أوصى أن يكون عندهم ، اللهم اشمله بعفوك وأسكنه جنتك في صحبة من أنعمت عليهم والسلام عليك ايها الشيخ يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا.