أجمل سنوات «الديكتاتورية»

مصطفى محكر

تأشيرة دخول : مصطفى محكر

سنوات طوال عاش العالم العربي استقرارا ، لدرجة اننا حينما كنا صغارا نذكر بكل طلاقة جميع رؤساء الدول العربية، بل والافريقية ايضا، ليس لان جيلنا أفضل حالا من جيل اليوم، بل لأن هؤلاء الرؤساء ومهما يقال عن «ديكتاتوريتهم»، حققوا لأوطانهم استقرارا وتنمية وأرسوا البنى الاساسية لدولهم ، وهي بنى لاتزال تجمل هذه الدول وحتى من جاء بعدهم لم يفلح في تحقيق ما اصابه هؤلاء الرؤساء من نجاح.
خلال السنوات الماضية تبدلت الخارطة السياسية للعالم العربي ،فمن بين هؤلاء الرؤساء من مات ومنهم من قتل ومن سجن ومن لايزال يلاحق ،وجلس على كراسيهم رؤساء جدد غير ان هذه الكراسي اصبحت شديدة الاهتزاز ، فبعد صدام حسين مثلا في العراق لا يكاد كثير من غير المهتمين يذكر اسماء من حلوا بعده ورحلوا على عجل، والحال ينطبق على ليبيا والصومال واليمن ويمتد حتى سوريا ومصر. نحن حينما نقول بهذا الحديث لا نريد أن نتغنى بالدكتاتورية، ولكن ما لا يمكن ان يختلف عليه اثنان ان عهود هؤلاء شهدت الاستقرار والامن ورخاء العيش ، وتوفر الخدمات الصحية والتعليمية، بل في عهد الرئيس الراحل صدام حسين أصبح علماء العراق يشار اليهم بالبنان، وبعد ان تم اغتياله فجر يوم عيد الاضحى ، أصبح اغتيال علماء العراق أمرا ممنهجا.
ترى لماذا ظل هؤلاء الرؤساء لسنوات طويلة في سدة الحكم ، هل لانهم متهمون بموالاة الغرب، وان صحت الاخيرة ، فما العيب في مولاة أفضت لتقديم أفضل الخدمات الاجتماعية لشعوبهم ، وايضا ماذا جنت هذه الشعوب من ثورات ما سمي الربيع العربي الذي أصبح لهيبا تكتوي به الشعوب ، حيث تحولت بعض هذه الدول لتشييد السجون بدلا عن المدارس والمستشفيات، بل اضحت ديكتاتورية الحكام الجدد لا تقاس بدكتاتورية من سبقوهم ، فاذا كانت ديكتاتورية القدامى قد اكتوى منها من ظل يمارس العمل المعارض طمعا في كرسي ،او رغبة في تقديم الافضل لشعوبهم ، فقد اكتوى بدكتاتورية الحكام الجدد قطاع عريض من شعوبهم المطالبة فقط بحياة كريمة .
ازاء هذا الواقع المؤلم هل ستتباكى الشعوب العربية على الرؤساء الذين رحلوا عن الدنيا وتصبح زيارة قبورهم فيها عزاء للنفوس ، آملا تعدو القصة ان تكون عابرة ، بحيث ينهض من بين هذه الشعوب حكام يخافون الله في شعوبهم ، ويعملون من اجل تنميتها وتطويرها وإنهاء مسيرة نزيف الدماء المتواصلة ليل نهار بلا وجود طرف رابح.
يبدو ان استطلاعا لو اجري في الشارع العربي، عن هل تريد رئيسا ديكتاتوريا ولكنه يوفر لك الصحة والتعليم والعيش الكريم، ام تريد قبر هؤلاء والاتيان برؤساء من شاكلة من سطوا على الحكم من بعد الراحلين. ستكون النتيجة مذهلة بأن اهلا وسهلا بدكتاتورية الراحلين.
أدرك ان هناك من سيخرج ويطيل «الفلسفة» التي تقول يمكن ان نموت جوعا ونحيا بعزتنا وكرامتنا.. يا سيدي أي عزة واي كرامة مع الجوع والجهل والمرض.. انظر الى مدارس سوريا تحولت لمخازن اسلحة ومشافي العراق وجامعاتها العريقة اضحت مؤن الحشد الشعبي الطائفي، وأحرقت آبار النفط في ليبيا، واصبحت حكاية الصومال اكبر دول عربية مصدرة للموز من التاريخ.
عموما تمضي الشعوب العربية بأمرة حكامها الجدد نحو هاوية سحيقة ، فيما الغرب واسرائيل يعيشون ليالي فرح طويلة.