الســـــودان .. الجـــــار قــبـــل الدار

مسارات

مسارات

ظل السودان يحافظ على علاقاته مع جيرانه على امتداد الحقب السياسية التي مرت منذ الاستقلال في العام 1956م وحتى الان ، وذلك لان السودان ينطلق من مبدأ اسلامي في المقام الاول وذلك ، ان تكون هذه العلاقة بلغة اليوم هي علاقة مصالح اقتصادية او سياسية في المقام ، ولان الجار في الاصل اخذ حظه من الاهتمام في وصية سيدنا جبريل لرسول الله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام «ومازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه» وبالتالي الاهتمام بالجار واحدة من الاولويات التي توضع في الحسبان ان كان جارا في المنزل او القرية ، او حتى دولة كما يفعل السودان اليوم ، فقد تعرض السودان لكثير من صنوف الأذى والعذاب من بعض جيرانه في اوقات مختلفة وفي حقب سياسية ، لاسباب لا ترقى ان يتحمل السودان هذا الضغط بسبب بعض تحالفات القوى الغربية الكبرى مع بعض دول الجوار لدرجة ان السودان وجد نفسه في حال غريبة لا توجد مثلها في العالم كانت معظم الجيران في علاقاتهم مع السودان في حالة فتور ان لم تكن قطيعة ، لكن السودان صبر على الامر وظل يعالج هذا الامر بصبر الحكيم ، حتى عادت العلاقات مع الجيران افضل مما كان في وقت سابق .
اليوم تبدو علاقات السودان مع جيرانه ممتازة كما قال الاخ رئيس الجمهورية لدى مخاطبته مجلس شورى المؤتمر الوطني ، والناظر الى العلاقات السودانية التشادية يجدها عادت الى أكثر من طبيعتها ، بعد ان وصلت مرحلة ظن البعض ان لا تلاقيا ولكن لقضية دارفور ظلال لاتخطئها العين في مسار العلاقات بين السودان وتشاد ، واصبح التعاون بين البلدين انموذجا تسعى بعض الدول الى تطبيقه خاصة تجربة القوات المشتركة بين البلدين والتي حلت بشكل جذري مشكلة الحدود وضبطتها والتي هي دائمة ما تكون هي المسببة الصداع في رأس العلاقة بين البلدين ، والسودان اليوم مطمئن بان الجهة الغربية هي في حالة وسلام وأمان ، وبنفس القدر هي ذات العلاقة مع افريقيا الوسطى وان كان السودان لم يصب بأذى كبير في الصراع الداخلي في ددولة أفريقيا الوسطى الا ان كان يساهم بقدر ما أوتى من قوة ان تستقر بانقي وتسير الامر فيها بالقدر الذي يجعل عملية الانطلاق وافاق التعاون مع الجيران تصل الى مرحلة التكامل ، ولعل حضور رئيس جمهورية افريقيا الوسطى والمشاركة في احتفالات السودان باكتمال وثيقة الدوحة ونهاية السلطة الانتقالية بعد اكتمال كافة الاستحقاقات المكتوبة في الوثيقة وكان اخرها الاستفتاء الذي تم باختيار حكم الولايات على الاقليم الواحد ، وكانت تلك المشاركة من أفريقيا الوسطى هي تأكيد على حسن الجوار الذي يوليه السودان اهتماما كبيرا ، وتمثل تجارب السودان لكثير من دول اهتماما كبيرا به ان كانت من دول الجوار او من غير دول الجوار ، وكانت اخر هذه التجارب هي مؤتمر الحوار الوطني من اجل الوصول لوثيقة وطنية تكون بمثابة روشتة تكون فيها الحلول لمشاكل السودان السياسية والاقتصادية وجمع الصف الوطني ، وبالفعل نجح السودان في اقامة هذا الحوار ،وكان محل اهتمام حتى الدول الكبرى ومحل متابعتها ،وبالتأكيد كانت الولايات المتحدة الامريكية من اكبر الدول الغربية التي كانت تتابع الحوار بشيء من القلق والامل ، وهو صبر السودان الطويل على حصار واشنطن السياسي والاقتصادي فهل تخرج الوثيقة بما يعزز وحدة أهل السودان؟ ان الامر لا يأتي بشيء من هذا الامر الذي يرجوه الشعب من مخرجات الحوار الوطني ، ولكن التصريحات الامريكية جاءت في نهاية الامر معززة لوجهة النظر التي خرج بها الحوار الوطني ، وهو ما ساهم في ان تكون حالة الجوار في نفس الاتجاه الامريكي ،وهي القناعة الكاملة ، بان السودان قدم انموذجا جديدا لجمع الصف الوطني وكانت لوحة الختام هي لوحة الجوار فكانت تشاد ويوغندا ومصر وموريتانيا .
ولم تكن الحالة المصرية في وقت سابق هي نشاز من حالة دول الجوار السوداني حيث كان الفتور في العلاقات صفة مميزة الا من حالات نادرة تعود العلاقات مرتفعة ثم تعود منخفضة خاصة وان مصر شهدت تحولات سياسية في اقل من خمس سنوات كان لها أثر واضح في العلاقات السودانية المصرية ،واليوم العلاقات بين البلدين في احسن حالاتها كما اقر بذلك الرئيسان البشير والسيسي ،وباتت القاهرة على قناعة اكثر من ذي قبل بأهمية الخرطوم ويجب ان تكون العلاقة بمستوي جيد في كل الظروف التي تحيط بالعلاقة ان كانت اقليمية ودولية ،وهو ما يظهر الان في مستوى العلاقة.
والعلاقة مع الدولة الوليدة جنوب السودان كانت لن تخرج من شبيهاتها بالرغم من عمر الدولة الوليدة فقد كانت اسباب التوتر واضحة فان الجنوب كان يريد ان يثبت للعالم احقية مطلبه بالانفصال عن السودان ولكن الايام اثبتت خطل الفكرة واصبحت دولة جنوب السودان هي دولة فاشلة بالمعايير الدولية ولكن السودان ظل صابرا على أذى الجنوب الى ان توصلت القيادات الجنوبية الى ان العلاقة مع السودان هي العلاقة الاولى التي يجب ان تنطلق منها جوبا الى الخارج.
والعلاقة الجيدة التي ابداها السودان مع جوبا كانت حافزا ان تمتد الى الجوار القديم قبل انفصال الجنوب حيث بدأت تزدهر العلاقة مع يوغندا التي ظلت تناصب السودان العداء عشرات السنين ، فالرئيس اليوغندي زار السودان خلال فترة بسيطة مرتين وشدد على أهمية العلاقة بين الخرطوم وكمبالا..
والرئيس الكيني في الخرطوم امتداد لعلاقات جوار الجوار بعد ان تحولت من جارة مباشرة الى جارة غير مباشرة بعد انفصال الجنوب والعلاقات مع نيروبي ، هي علاقات ممتدة ويكفي ان اتفاق السلام كان في نيفاشا الكينية واليوم يتعزز التعاون بين السودان وكينيا بهذه الزيارة التي لها مابعدها.
والسودان عزز مبدأ الجار قبل الدار فكسب ودهم خالصا بعد ان صبر عليهم طويلا.