الوثيقة الوطنية وتحديات المرحلة المقبلة «2»

بهاءالدين-مكاويتناولنا في الحلقة الاولى قضية الوحدة الوطنية في السودان، وسعينا للاجابة على سؤال مهم وهو: كيف يمكن تحقيق التماسك والتلاحم بين أبناء السودان، وكيف يمكن تعزيز الوحدة الوطنية وتمتين عراها؟ كما توقفنا عند موضوع «الحريات والحقوق الاساسية» في السودان والذي ورد في الوثيقة بشكل مفصل، ونسعى في هذا الجزء الى الوقوف على بعض ما جاء في الوثيقة والقاء الضوء على بعض الجوانب المتعلقة بهذه الموضوعات.
لقد اهتمت الوثيقة بالاقتصاد السوداني وافردت له جزءاً مقدرا، حيث اشارت الى ضرورة اعتماد فلسفة اقتصادية تقوم على الحرية والمسؤولية الاجتماعية، وتؤسس لعدالة توزيع الدخل القومي والمحافظة على البيئة وإستدامة الموارد وتهيئ لإمتلاك القدرات التنافسية للإنتاج الوطني، والانفتاح علي الأسواق العالمية، واعتماد استراتيجية قومية تعزز التوازن التنموي والعدالة الإجتماعية والرفاه للشعب وتكافح الفقر مع مراعاة التمييز الايجابي للمناطق التي تأثرت بالحرب.
ولا يمكن مغادرة هذه المحطة قبل الحديث عن الاستثمار وتعزيز فرصه في السودان ، اذ يعد الاستثمار هو المدخل لحل اغلب المشكلات الاقتصادية بالسودان، وللسودان ميزات كبيرة تجعله قبلة للمستثمرين الأجانب والتي تتمثل في موقعه الاستراتيجي المهم وموارده الطبيعية الهائلة والمتمثلة في الأراضي الخصبة الشاسعة والمياه الوفيرة والثروة الحيوانية الكبيرة، فضلا عن المعادن والمتمثلة في الذهب، والكروم، والمنغنيز، واليورانيوم، والفضة، والنحاس، والكبريت، والزنك، والرصاص، وغيرها من المعادن، بالإضافة الى تنوع مناخاته وتوفر العمالة القادرة على الإنتاج.
لقد انعقد في الخرطوم في فبراير الماضي وبرعاية وحضور رئيس الجمهورية المشير عمر حسن احمد البشير «ملتقى السودان للاستثمار» الأول والذي حمل شعار «فجر اقتصادي جديد». وقد خرج بتوصيات في غاية الدقة والوضوح تمثلت في: تأكيد أهمية الإفادة من الموارد والامكانيات الهائلة التي يختزنها السودان وأهمية الإفادة القصوى من مبادرة السودان للأمن الغذائي العربي، والمشروعات الناتجة عنها، واستنباط وسائل جديدة وآليات مستحدثة لتمويل المشروعات، والتأكيد على أهمية تطوير البنية التحتية و الموانئ ومشروعات الطاقة، وانظمة الري لجذب الاستثمارات، وتأكيد دور القطاع الخاص في تطويرها بالشراكة مع القطاع العام.
لكن الاستثمار عامة يحتاج الى البنية التحتية التي تجذب وتشجع المستثمر الاجنبي على الاستثمار، بالإضافة الى توفر البيئة التشريعية والعدلية التي تشجع المستثمر الأجنبي، لأن هذه البيئة التشريعية والعدلية بمثابة صمام أمان فيما يتعلق بحفظ حقوق الطرفين سواء أكانت الدولة أم المستثمر الأجنبي، وتوفر له الضمانات القانونية والحماية اللازمة التي ينشدها، وتكفل له الطمأنينة ضد المخاطر غير التجارية، لذلك لا بد من التوسع في منح الضمانات والمزايا التشجيعية للاستثمار الأجنبي.
وبالتالي لا بد من الإسراع في تطوير قوانين الاستثمار، ومعالجة كل اوجه القصور في الاجراءات المتعلقة بالاستثمار، والارتقاء بالبنية التحتية، وقبل كل شيء ضبط قضية الرسوم المتعلقة بالاستثمار والموظفين المسؤولين عن هذه الملفات.
في مجال السياسة الخارجية نادت الوثيقة بتَبَنّي سياسة خارجية تحقق التوازن بين مقتضيات المصلحة الوطنية العليا بما يعزز المصالح المشتركة التي تلبي طموحات الشعب وتعلي مبادئه، وإنتهاج سياسة حسن الجوار مع كافة الدول وتأكيد وتعزيز علاقات التكامل والتعاون في المحيطين الإقليمي والدولي، كما اكدت احترام المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادق عليها السودان والسعي لتعزيز العدالة في العلاقات الدولية.
وفي الواقع ، يعاني السودان منذ فترة طويلة من أزمة حقيقية في علاقاته الخارجية، وقد كانت هذه الأزمة سبباً في كل المشكلات والأزمات التي مر بها السودان.
لقد بذلت في الآونة الأخيرة جهود مقدرة لإعمار علاقات السودان الخارجية، وأثمرت هذه الجهود ترميماً لعلاقات السودان مع بعض الدول العربية الشقيقة، وتجري محاولات جادة ومدروسة لتحسين العلاقات مع دول كبرى وقوى إقليمية مؤثرة.
وعلى الرغم من أهمية الجهود المبذولة في هذا الملف، فإن السودان بحاجة ملحة إلى استراتيجية واضحة المعالم تحدد مسار علاقاته الخارجية.
تهتم الدول عادة بوضع استراتيجيات واضحة تتبعها سياسات وإجراءات لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية مستفيدة من وضعها الجغرافي او المالي او غير ذلك ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، استندت تركيا في سياستها الخارجية الى نظرية العمق الاستراتيجي ، وقد مكنها ذلك من التحرك في كافة الجهات خاصة دول الجوار الجغرافي بهدف الحفاظ على أمنها القومي واستعادة دورها الإقليمي ، وارتبط ذلك بسياسة «تصفير المشكلات مع جيراننا»Policy of Zero Problems with our Neighbors» » التي اختطها وزير الخارجية التركي الاسبق أحمد داؤود أوغلو . إن وضع استراتيجية واضحة المعالم لسياسة السودان الخارجية لعقد من الزمان مثلاً – من شأنه الدفع بعلاقات السودان الخارجية، وبإمكان هذه الاستراتيجية أن تكون نقطة انطلاق لعلاقات قوية مع الدول الأخرى، وتكون رسالة إيجابية للمجتمع الدولي والأطراف الإقليمية بما يدفع باتجاه تشجيعها على الدخول في علاقات إيجابية مع السودان على أسس واضحة وشفافة.
وفي الواقع لا يكفي الحديث المجمل عن مشكلات السودان السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد غدت هذه المشكلات واضحة حتى لرجل الشارع العادي، وقد تناول المؤتمرون في مؤتمر الحوار الوطني كل هذه المشكلات بالنقاش وقتلوها بحثا، لكن يظل التحدي الأكبر هو: كيف يمكن تطبيق توصيات مؤتمر الحوار الوطني على واقع الحياة السودانية من خلال خطط واستراتيجيات محددة؟ . فهذه الاستراتيجيات والخطط ـ التي لا بد منها -تحتاج الى تضافر جهود الخبراء والجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات بالسودان من أجل صياغتها بشكل محكم يمكن من إنزال مقررات الحوار الوطني الى أرض الواقع.
لقد أشار كثير من المفكرين والخبراء الى غياب التخطيط الاستراتيجي في السودان و على سبيل المثال – خلصت ندوة عقدت بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في قطر في العام 2012 م الى ان غياب التخطيط الاستراتيجي هو سبب أزمات السودان منذ نشأة الدولة السودانية، وهذه حقيقة ينبغي الانتباه لها والسعي الى معالجتها وتفادي اثارها السالبة.
ويقتضي معالجة هذا الخلل تفعيل مراكز الدراسات السودانية ، ولعلنا لا نحتاج الى التفصيل في الدور الكبير الذي تلعبه مراكز الابحاث في صنع السياسات الداخلية والخارجية في الدول المتقدمة ، فهذه المراكز تلعب ادوارا كبيرة في صنع السياسة في بلدانها فهي: تقوم بإجراء تقييم شامل للسياسات السابقة بهدف معرفة جوانب القوة فيها لتعزيزها وجوانب الضعف والقصور لتلافيها ، كما انها تطرح آراء وافكار جديدة وتقترح السياسات البديلة ، وهي تدرس الاثار البعيدة المدى لاتخاذ سياسة معينة سواء أكانت هذه الاثار ايجابية او سلبية ، وهي تزود الادارات الحكومية بالخبراء والمستشارين ،وتقدم الاستشارات والنصح والمشورة للسلطة الحاكمة متى طلب منها ذلك ،كما انها تعمل على التأثير على الرأي العام من خلال الانشطة التي تقوم بها «ندوات ، حلقات نقاشية ، نشرات ، تقارير ، كتب ، دراسات ….الخ .».
وبالتالي نرى ضرورة تفعيل هذه المراكز ومدها بالعنصر البشري الفعال قبل الموارد المالية وذلك حتى تساعد الحكومة في وضع الخطط العلمية لإنفاذ مخرجات الحوار الوطني بصورة دقيقة وعلى أسس علمية سليمة.