يا أهل السودان: سلاما

مشعل السديري

مشعل السديري

لم يكن يخطر على بالي أن تثير مقالتي التي كانت بعنوان »وكذلك نجزي المحسنين« عند »بعض» إخواني» من أهل السودان كل هذا الزعل، إلا بعدما عدت قبل يومين من سفرة قصيرة، لم أطلع خلالها على رسائل القراء في الإنترنت، ولكنني عندما عدت وجدت الكثير من العتب وسوء التقدير، معتقدين أنني أتهكم عليهم، ويعلم الله أنني أبعد ما أكون عن ذلك، وكل من يعرفني يعلم أنني أستهجن «التنابز والتفاخر»، وللسودان لدي مكانة خاصة، كيف لا وهو أكبر وأخصب البلاد العربية والأفريقية، وآثاره الحضارية لها آلاف الأعوام، وأول بلد أفريقي يستخدم الحروف الهجائية بدلا من الرسوم التي كانت يستعملها الفراعنة، وكيف أنسى دولة «الفونج» وعاصمتها سنار، وثورة المهدي التي دوخت الأتراك والبريطانيين، ولولا الأسلحة النارية التي لم يمتلك شيئا منها لما هزموه، ويطيب لي أن أقول «للبعض» من الذين لم يفهموني لكي يطمئنوا فقط لا غير: إنني «أعرف وأعترف» كذلك أن السودان كان متقدما على دول الخليج بعدة مراحل في الماضي، ومن الممكن أن يتقدم عليهم أكثر في المستقبل، إن شاء الله، إذا سلم من التدخلات الخارجية وأحسن حكامه صنعا، ففي القرن التاسع عشر كانت المدارس العصرية قد فتحت في السودان في الوقت الذي لم يكن في الخليج مدرسة واحدة، وفي بدايات القرن العشرين كان في السودان القطارات والسيارات والمستشفيات والمياه النقية والكهرباء واللاسلكي و»الأحزاب»، في الوقت الذي لم يكن في الخليج سيارة واحدة لا «كديلاك» ولا حتى «أبو رفسة»، ولم يكن هناك كذلك «لمبة» واحدة، ولا يتراسلون «باللاسلكي» وإنما يتراسلون على ظهور «البعارين»، أما ميناء «بورتسودان» فكان أكبر الموانئ على البحر الأحمر، ويستقبل أضخم السفن البخارية، في الوقت الذي كان فيه ميناء جدة لا يستقبل إلا «السنابيك» الشراعية، أما أحزاب أهل الجزيرة العربية فكانت مجرد قبائل متناحرة.
وللأسف فإن أحدهم اعتقد أنني غلطت في حق السوداني الذي استبدل حرف «الدال» بـ»الذال»، وقال داعيا عليّ: أسأل الله أن يعاقبك في الدنيا والآخرة، وأقول له، أولا جزاك الله خيرا، وثانيا أتمنى أن يتقبل الله دعاءك، ويقتصّ مني إذا كنت أقصد الإساءة لأي سوداني، وكيف أسيء لمن فيهم أصدقائي، وبعض أساتذتي الذين علموني على مقاعد الدراسة، وفيهم نماذج راقية كمحمد أحمد محجوب، وعبد الله الطيب، والطيب صالح الذي عرفته في آخر أيام حياته وكان نعم الصديق، ولمعلوميتك فإنني معجب جدا بالفولكلور السوداني سواء في العمارة أو النحت أو التصوير، كما أنني أطرب لأغاني الموسيقار محمد وردي.
حتى الرياضة وتحديدا «كرة القدم» لم نتعلمها إلا من أهل السودان، وكانت الأندية السعودية تمتلئ باللاعبين السودانيين، والآن الذي يطبع مقالاتي طوال الأيام ويصححها هو أخ سوداني أفخر بالتعامل معه، وقبل أن أبعث بذلك المقال «المشؤوم» الذي أثار كل تلك الحساسية التي ليس لها داع، سألت ذلك الأخ فأكد لي أن شرق السودان خصوصا بورسودان وكسلا، وقبائل البجا وبني عامر، ينطقون «الذال» «دالا»، مثل »ذهب، وذباب، وذئب، وكذلك وهكذا».
ولا أدري لو أننا قلبنا المعادلة، فجعلنا الأخ السوداني هو الذي يغلط بتفسير «يعظون»، ويهري جسد زوجته بالعض، والخليجي هو الذي يطمح بإحسانه أن يحصل في الجنة على سيارة كديلاك «يفحط» بها هناك.
فهل لو قلبنا تلك المعادلة سوف يرضى عني «بعض» إخواني من أهل السودان ويقولون: «صافي يا لبن؛، أم إن كلامي عندهم ما زال «كالسم الزعاف»؟!
على أي حال فكل الشعوب من دون استثناء، فيهم المخطئ والمصيب، والطيب والشرير، والعالم والجاهل، والشجاع والجبان، والبخيل والكريم، والزاهد العابد والفاجر المتهتك.
وأختم اعتذاري هذا – إذا كان مقبولا – بما قاله شيخ الرحالين ابن بطوطة عن أهل السودان: «فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم، فهم أبعد الناس عنه، وسلطانهم لا يسامح أحدا في شيء منه، ومنها شمول الأمن في بلادهم، فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب، ومنها عدم تعرضهم لمن يموت في بلادهم، ولا يمدون أيديهم عليه حتى لو كان من القناطير المقنطرة، وهم يعتنون بالقرآن، وقد دخلت على القاضي في يوم العيد، ووجدت أولاده مقيدين، فقلت له: ألا تسرحهم؟! فقال: لا أفعل حتى يحفظوا القرآن».
صحيفة الشرق الأوسط