في ديالكتيك الأسماء

(1)
423بقدر ما يَسعَد الكاتب – أي كاتب – في مشوار الكتابة الصحفية بأحباب واصدقاء يصادفهم على طول الطريق،  فيُبهجون حياته ويضاعفون ألقها (بافتراض أنها متألقة أصلاً)، فإن هناك ايضاً الآخرين، الذين لا بد منهم.  تعرفونهم وأعرفهم!
«بالله انت بطل؟ بطل في شنو؟ يعني بطل في رفع الاثقال؟ ما تراها بطولاتك كلها سباحة في ورق الجرايد! ليس البطل بل هو الخائن، خان شعبه  وقبض من الانقاذ». وهكذا يجعل هؤلاء من الاسم (المتميز) عبئاً  عليك!
ولهذا فقد كنت اغبط صديقي وأخي الاصغر، الكاتب الصحافي محمد عثمان ابراهيم، بل واحسده على اسمه. ولطالما قلت له إن اسمه هذا سيمنحه الراحة والامان ككاتب طوال حياته، فاطمأن واستنام الى هذا اليقين.
ولكن ذلك لم يدم الا ريثما استيقظ  الرجل ذات صباح ليجد نفسه مشتوماً بسبب اسمه من حيث لم يحتسب. شتمه الناشط الشيوعي الروائي الدكتور مصطفى مدثر، وعيّره باسمه. كانت إحدى صحف الخرطوم  قد نشرت مقالا لمحمد ملأ الأرض وشغل الأسافير، فجاء الدكتور مصطفى مدثر وكتب في منبر اسفيري مشهود معبراً عن دهشته كيف ان (كاتباً يحمل مثل هذا الاسم العادي يثير كل هذه الضوضاء). ومن رأي الدكتور، وهاك نص كلماته: أن (محمد عثمان ابراهيم لا يمكن ان يكون قادراً على بلورة موقف متفرد وهو يتجول بين الناس بمثل هذا الاسم الدارج)!
واسيت محمداً فقلت له: «معليش. يبدو انه في هذه الدنيا الفانية الاسمو عادي ما مرتاح، والاسمو غير عادي ما مرتاح» !
(2)
ولكن محمدا ليس بغير صُحبة. شيخنا الدكتور عبد الله على ابراهيم ايضا شكا من (عادية) اسمه ، بل انه عبر في مقال له بعنوان (السفرة التودر جملك ولا القعاد البوم) عن قناعته بأن ذلك الاسم ربما كان سبب  فشله في انتخابات الرئاسة عام 2010م.
كتب عبدالله: «. فأنا اعتقد أن اسمي (عبد الله علي إبراهيم) ربما كان نقطة ضعفي الكبري التي تتضاءل معها هناتي الأخرى، مثل  ضعف  قاعدتي الحزبية والجهوية،  أو فقدان سوائل الكاش. فالعبيد سويكت كاسم مما يُذكر كله جملة واحدة وكفى. أما اسمي فهو مما يُذكر مثلثاً ولا ينفع اجتزاؤه. واتصوره مثل الهضبة بلا عالي واطي. وسمعت من يناديني على إبراهيم  أو عبد الله إبراهيم طلباً للاختصار المضلل. ولو خيروني لأخترت اسماً مثل طارق البحر أو مجدي الجزولي من الرجال، أو هالة الأحمدي ومنى عبد الفتاح من النساء. فهي اسماء أولها سهل وآخرها جبل).
(3)
ومن خاصة اصدقائي الذين صارت الاسماء المتميزة وبالاً عليهم، الصحافي السوداني المغربي طلحة جبريل. وكان طلحة قد اتخذ موقفاً مسانداً للتحالف الدولي ضد صدام حسين ابان غزو الكويت عام 1991،  فغضبت عليه حشود من أنصار صدام، واستهدفته عديد من صحف الرباط والدار البيضاء. وقد ناكفته احدى هذه الصحف، وهي تشير من طرف خفي الى اسمه الثلاثي الكامل (طلحة جبريل موسى) فكتبت: (صحافي اسمه الاول اسم صحابي، واسمه الثاني اسم ملك من الملائكة، واسمه الثالث اسم نبي، ولكنه خان شرف الاسماء وصار عميلاً للقصر الملكي والمخابرات الامريكية)!
وبرغم ان احبابي من الاخوان الجمهوريين يحترمون صاحبي عادل الباز، ويحفظون له انه كتب رائعته (صحاري النسيان) عن الاستاذ محمود محمد طه، ويعلقونها على أستار كعبتهم، فإن صديقنا المشترك، القيادي الجمهوري الدكتور عبد الله عثمان، غضب عليه ذات يوم فأغلظ عليه في رسالة ابتدرها ببيت من الشعر لم اكن قد سمعت به قبلاً. جاء فيه: ( وللزنبورِ والبازي جميعا لدى الطيرانِ أجنحةٌ وخفقُ / ولكن بينما يصطادُ بازٌ وما يصطاده الزنبورُ فرقُ). وقد ساغ لى منذ ذلك العهد ان اطلق على عادل الباز لقب «زنبور الصحافة السودانية»!
(4)
ولأمر ما عجزت عن تفسيره فقد لاحظت ان كثيرا من الناس يشيرون الىّ باسم والدي فيقولون (عبد العزيز البطل) بدلا عن اسمي.  وما كنت اظن ان هناك بأسا في ذلك، لولا ان كثيراً من الشتم  اخذ ينزل على رأس الوالد، رحمه الله، دون ذنب جناه.  كتبت ذات مرة نقداً لطيفاً وجهته  للسيد نصر الدين الهادي المهدي، اراجعه فيه على موقفه من اعتداءات الجبهة الثورية على الابرياء في ابوكرشولا وام روابة في ابريل 2013، ولم يرض الرجل عن نقدي، فوجه مكتبه في لندن بالرد. واصدر المكتب بياناً ملتهباً أورد فيه اسم والدي ثلاث مرات، وهزّأه وسخّفه، وشتمه شتيمة الاراذل. مع ان المقال موضوع الغضب المهدوي لم يكتبه والدي، وانما كتبته انا!
ومن الآباء الذين  لاقوا العنت بسبب أفاعيل ابنائهم، والد حبيبنا ومولانا الاستاذ عمر عبد العاطي وزير العدل والنائب العام في حكومة الانتفاضة الابريلية الانتقالية. وقد ذكر لي أن والده، التاجر بسوق عطبرة، امتلأ غضباً عندما كتبت صحيفة الحزب الشيوعي (الميدان)، في ثمانينات القرن الماضي، ان الجماهير  الساخطة على مشروع القانون الجنائي البديل لقوانين سبتمبر خرجت تهتف: (واطي واطي عبد العاطي). إذ استنكر الأب ان تأتيته الشتائم  (في صمة خشمه) بسبب ولده عمر!
(5)
لا عزاء لأحبابي من حملة الاسماء (العادية). أما أنا فحمدي لله لا ينقضي ان قسم لي اسماً متميزاً متفرداً، يمنحني مشروعية إثارة الضوضاء، ويفوضني صلاحية (بلورة مواقف متفردة). او كما قال!