لسنا مطبلين

422{ يعتقد البعض بأننا نبالغ في الثناء على الرجال فنجمَّل قبيحاً ، وندافع عن أخطاء بالإمساك عن قول الحق ، والصمت عن الظلم ، ودق الطبل لمن غاص في وحل الباطل ، وتمرَّغ في بركته الآسنة من أخمص قدميه وإلى قمة رأسه ، لكن هؤلاء مخطئون في تكييفهم ، وليس ما يرونه إلا إنطباعاً مجافياً للواقع ، ذلك لأننا عندما نثني على أحدٍ ، لا نطمع فيما لديه ، أو عنده ، وغاية مانريده أن يكون الثناء دافعاً ومحفزاً لزيادة خير لاحظناه ، وجانب صدق تحريناه ، ومعرفة رجالٍ عايشناهم ، فهم لا يراءون بصدقة ، ولا يمنعون طعاماً لضيف أو مسكين ، وتلك هي سيرتهم التي جعلتنا نشد من أزرهم ، ونقف إلى جانب صفهم .
{  غير أننا لا نتردد عندما نرى أن هناك إنحرافاً بيناً ، وإنزلاقاً عن خط الإستقامة ، فنحذر وننبه ، كما هو الحال في مقالات لنا منشورة ، وتصريحات لا تخفى عباراتها على أحدٍ يدرك معاني العبارات ومدلولاتها .
{ وأشد الذي يسئ لحملة الأفكار ، وأصحاب المشروعات بأن يأتي شخص ، وهو غريب عن الفكرة ، وبعيد عن منهج التربية ، ليطلق الكلمات المادحة والإطراءات المجنَّحة ، دون قصد لمعانيها ، أو إستهداف لقول الصدق ، ولكن من أجل نيل غنيمة ، و الحصول على ثمن ، كما كان يفعل الشاعر المتنبئ عندما يمدح وعندما يهجو ، فهو لا يمدح ، ملكاً إلا إذا علم بما سيكون مقابلاً لذلك ، ويكون الهجاء والذم عندما لا يجزل الملوك والسلاطين العطاء .
{ ولقد شهد عصرنا الحاضر، مغنين وشعراء لا يطمحون بمدحهم لأهل السلطة بأنَّ يمنحوهم مالاً ، لكنهم يأملون في أكثر من ذلك ، ومنهم من نال بالمدح منصباً في وزارة ، ثم أعفي منها ليصبح وزيراً لكل الوزارات ، وصدقوني بأنني أعرف شخصاً ، كل الذي يملكه أن يملأ فمه بعبارات الثناء لمتخذي القرارا ت ، في مواضع لا تستحق ثناء ، ولا تحتمل أهمية عندما تكيف درجات الأهمية ، والأهميات ، لكنه لا يستحي ، أي ذلك الشخص، ليمطر من في يده السلطة ، بوابل من كلمات الشعر أو كما يقولون (يكسر ثلجاً ويعزف موسيقى ويضرب طبلاً) إلى أن يصبح من يوجه إليه هذا الحديث ، ثملاً ومخدراً ويتمايل طرباً لفرط الزهو ، والشعور بأن هذا المادح قد وضعه في موضع لم يستطع غيره قد وضعه فيه  ، فيكون الجزاء منصباً رفيعاً ، وقراراً بموجبه يتولى هذا الذي ينثر المدح على بلاط السلطان مسؤولية وموقعاً ، هو في الأصل ليس للشعراء والكذَّابين ، لكنه للمخلصين والأوفياء ، غير أن الأوفياء قد فشلوا ، والمخلصين تعوزهم القدرة على الثناء ، وهكذا توسد الأمور لغير أهلها ، ويعتلي الموقع المرموق من يجيد فن الغناء ، ويحرم منه الذي يجيد النصح الذي تعوزه الزينة ، مجرداً من الأبهة والطلاء.
{ والدولة القائمة على الصراحة ، كما المجتمع المطبوع على الشفافية والصدق ، لا ينشئهما قول كاذب ، أو مدح ، من رجل كانت مهارته في تلحين الكلمات ، وتزوير المواقف ، وتلفيق العبارات.
{ ذلك لأن المواقف الصلبة ، والآراء الجريئة ، والنصائح المستهدفة للفلاح والصلاح ، لا يبذلها من ينظرون تحت الأقدام ، أو يداعبون الأوتار لتزويق ما لا يمكن تزويقه ، أو تجميله ، لكنهم أولئك الذين يواجهون الواقع بما يناسبه ، ولا يطمعون في عطية ، هي دنية ، ولا في حافز ملوث بطمع وجشع ، وتطبيل وحرق بخور .
{  وعزف الموسيقى لم يكن عاملاً في يوم من الأيام لإستدامة حكمٍ ، أو إشارة لمجتمع أصيل تقوم أعمدته على الأصالة ، والصراحة ، والثبات عندما تدلهم الإبتلاءات.
{ ونحن من نَسَقٍ نحمد الله أننا لسنا من حملة أدوات التطبيل ، والتزمير ، وحرق البخور .