معيشة النامعيشة الناس… أخطأ البرلمان وأصاب الوزير!!س… أخطأ البرلمان وأصاب الوزير!!

حسن-يحي-1لا أجد مبرراً للحملة المسعورة التي شنها البرلمان على وزير المالية. الموازنة العامة للدولة عبارة عن برنامج سياسي يعبر عن وجهة نظر الحزب الحاكم الاقتصادية لمدة عام كامل. سياسة التحرير الاقتصادي وسياسة رفع الدعم سياسة مقررة يتم تنفيذها تدريجياً. البرلمان الحالي هو ذات البرلمان الذي وافق على رفع الدعم عن المحروقات التي قادت لأحداث سبتمبر الدامية. ظل هذا البرلمان يجيز الموازنة العامة وهي خالية من أي زيادات في الضرائب أو الجمارك أو السلع وما ان تصدر الميزانية وقبل بداية الصرف منها يتم الاعلان عن زيادات جديدة والبرلمان لا يحرك ساكناً بالرغم من أن الميزانية تجاز بقانون وتعتبر الزيادات مخالفة لقانون الميزانية. ما الذي جد في ميزانية 2017م؟!! الميزانية ميزانية الحكومة والحزب الحاكم وليست ميزانية وزير المالية. سياسة الدعم الاستهلاكي التي تبنتها الحكومة حولت الشعب إلى شعب استهلاكي وليس منتجاً وتسببت في أزمة الاقتصاد السوداني. الدعم الذي يتم بدون موارد حقيقية يعتبر نفاقا سياسيا لأنه يتم عبر طباعة العملة بدون مقابل مما ينعكس سلباً على الاقتصاد بارتفاع نسبة التضخم وانهيار قيمية العملة المحلية. الدعم بالعجز يمكن أن يقدم للتنمية وليس للاستهلاك. الهدف السياسي الاجتماعي للدولة هو (أن يكون المجتمع سباقاً على الدولة في توفير معظم حاجاته الضرورية والأساسية ومبادراً على الحكومة في هذا المجال). البرلمان بسلوكه هذا يتجاوز الهدف السياسي الاجتماعي للدولة بينما يتمسك به وزير المالية وهنا أخطأ البرلمان وأصاب الوزير. هذا السلوك يعتبر كسبا سياسيا لنواب البرلمان على أمل العودة مرة أخرى للبرلمان في الانتخابات القادمة. الحكومة مهمتها الأساسية الأمن والدفاع والسياسة الخارجية ووضع اللوائح والقوانين التي تشجع على الانتاج. المجتمع هو الذي يقوم بتوفير حاجاته الضرورية والأساسية كما جاء بالهدف السياسي الاجتماعي المشار له أعلاه. أما دعم الفقراء والمساكين فمكانه ديوان الزكاة وليس وزارة المالية. الجدير بالذكر ان الزكاة مورد مهم وكبير ولا يدخل في مشروع الموازنة العامة للدولة وعائداته تعتبر تقريباً موازية لميزانية الدولة. وزير المالية ليس كبش فداء حتى يطالب البعض بإعفائه من منصبه وإن كانت هناك مطالبة بالاعفاء فلتكن لكل الحكومة لأن الموازنة هي موازنتها وينوب عنها وزير المالية في تقديمها للبرلمان. وزير المالية قبل تعيينه صرح علانية بفشل الكادر الاقتصادي للدولة ونادى بذهابه وهذا يعتبر مؤشراً على زهده في تولي المنصب الذي تقبله كتكليف. نحمد لوزير المالية أنه قد أدخل برنامج التحصيل الالكتروني والدفع الالكتروني والخزينة الموحدة ومحاصرته لعمليات التجنيب. وزير المالية قدم استقالته شفاهة من داخل البرلمان ليفسح المجال للجنة الاقتصادية التي تطالب بتحسين معيشة الناس حتى تقوم بتنفيذ توصياتها وتوفر سبل العيش الكريم للناس إن كانت تستطيع لذلك سبيلاً!! (حقيقة الفي البر عوام). وزير المالية ليس مسؤولاً عن معيشة الناس ومعظم الناس لا يأخذون منه مرتباً شهرياً فالأرزاق بيد الله (وفي السماء رزقكم وما توعدون) و(جعلنا النهار معاشاً) وعلى الجميع أن يسعى لكسب رزقه عن الطريق الحلال.
خلاصة القول لا توجد حكومة في العالم تقوم بإعاشة الناس. الحكومة تضع السياسات ويتسابق ويتنافس الناس لكسب أرزاقهم. الغلاء الطاحن سببه قلة الصادرات وكثرة الواردات وحرب الاستنزاف المدمرة للاقتصاد وترهل الجهاز الإداري للدولة والفساد الذي استشرى بالبلاد والصراع على السلطة. جوهر الأزمة الاقتصادية سياسي وإذا لم تتم معالجة كل ذلك فإن معيشة الناس سوف لن تتحسن أبداً. كل الاجراءات التي تتم في هذا المجال عبارة عن مسكنات. الحل يتطلب ارادة سياسية قوية للخروج من الأزمة الاقتصادية بمعالجة جذورها الأساسية.
– ختاماً: الأمل معقود على الحكومة التوافقية الجديدة أن تأتي برؤى وسياسات جديدة تعالج أزمة الاقتصاد السوداني حتى ينعكس ذلك ايجاباً على تحسين معيشة الناس.
وبالله التوفيق
-* زمالة كلية الدفاع الوطني أكاديمية نميري العسكرية العليا