حسين خوجلي … وداع الصحافة عبر البوابة الرئاسية

مسارات

مسارات

لم تكن مغادرة الاستاذ حسين خوجلي رئيس تحرير صحفية (ألوان) ، سدة التحرير والتي مكث فيها اكثر من ثلاثين عاما ، لم تكن تلك المغادرة عادية مثل تغيير قد يحدث في أي صحيفة يمكن ان تغير رئيس تحريرها لاي سبب من الاسباب ، ولكن مغادرة الاستاذ حسين خوجلي لكرسي رئيس التحرير في صحيفة (ألوان )، حملت معها عدة مؤشرات قد لاتكون هذه المؤشرات واضحة للبعض ولكن نحاول ان نستشفها من خلال هذه القراءة التي ربما تفيد بعض المتابعين للشأن الصحفي في البلاد بصفة خاصة ومتابعي أمر الاعلام بصفة عامة .
ولعل اولى تلك المؤشرات هي حالة الاهتمام والتي أبداها الاستاذ الصادق الرزيقي رئيس الاتحاد العام للصحافيين السودانيين ورئيس تحرير صحيفة الانتباهة ،بخبر مغادرة الاستاذ خوجلي لمقعد رئيس التحرير ، وسكب من ذكرياته واولى محطاته في دنيا الصحافة ومن زامل من الصحفيين والكتاب في ذلك العهد الذي شهد انطلاقة ألوان وهي ترتدي ثوبا ثقافيا أكثر منه سياسيا كما هو الحال الذي تبدل بذهاب نظام نميري ومجيء الانتفاضة في ابريل 1985م حينها تحولت ألوان من صحيفة يعلو فيها الجانب الادبي والثقافي الى صحيفة سياسية من الطراز الاول ولتكون احدى الصحف المساندة للجبهة الاسلامية القومية في الحراك السياسي الذي انتظم البلاد بعد ذهاب حكم مايو ، لتتنافس الاحزاب في الفوز بحكم البلاد عبر الانتخابات التي عقبت فترة حكم المشير سوار الذهب الانتقالي ، والاستاذ الصادق الرزيقي والذي تأثر بطبيعة تحرير الوان الثقافية والادبية وطبيعة المشاركين فيها من ذوي الخلفيات الادبية والثقافية مثل الاستاذ المحبوب عبد السلام ومحمد عوض البارودي والاستاذ الشاعر على يس والذي اكتشفته الوان وقدمته للجمهور بالاضافة للاستاذ محمد محجوب هارون ، وغيرهم من الشباب ذوي التوجهات الاسلامية في ذلك الوقت ،فقد ظهر هذا جليا في كتاباته السياسية المطرزة بعبارات أدبية شائعة وغير شائعة .
ولم يكتف الرزيقي بسكب ذكرياته الاولى في ألوان ، بل دعا الى تكريم الاستاذ حسين خوجلي باعتباره اول رئيس تحرير يقضي ثلاثين عاما في رئاسة تحرير ، ولم يذكر الرزيقي ايام التوقف بسبب التحولات السياسية من حقبة الى اخرى او ايام التوقف القسري في عهد الانقاذ نفسها والذي يعتبر الاستاذ خوجلي من أكبر مناصريها ، بل وكان احد مرشحي الجبهة الاسلامية في انتخابات (1986) ، ولم يحالفه التوفيق في دخول البرلمان .
وقد يشعر الرزيقي بأن فترة مهمة قد انتهت في تاريخ إعلام الحركة الاسلامية السودانية بمغادرة خوجلي لرئاسة تحرير ألوان ، وقد يرى ان خوجلي خلال فترته الثلاثين عاما قد ساهم في صناعة الاحداث وشكل في الرأي العام وساهم في رفع شأن الصحافة السودانية ، ولم يقصر في الدفع الى الامام في اتجاهاته الايدولوجية ، من خلال الحرب الاعلامية التي قادها ضد منافسيه في الساحة السياسية من احزاب ومنظمات مجتمع مدني ، بل ان الصحافة الاسلامية بقيادة ألوان والراية ومناصريها من الصحافة المستقلة مثل السوداني والاسبوع والتي يقف وراءها وأمامها من الاسلاميين المعروفين مثل الاستاذ محجوب عروة والاستاذ محي الدين تيتاوي في ذلك الوقت قد شكلوا خط الدفاع الاول للجبهة الاسلامية في ذلك الوقت ، والتي صعدت الى المرتبة الثالثة سياسيا في البلاد بعد حزب الامة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي ، لهذه الاسباب وغيرها قد يعتبر الرزيقي ان تكريم الاستاذ حسين خوجلي ، واجب لأن له بصمات في العمل الثقافي والسياسي من خلال رسالة ألوان الاعلامية التي لاتخطئها عين .
وأذكر بعد صدور صحيفة حكايات الاجتماعية في العام 2007م اجرت الصحيفة حوارا مع الاستاذ حسين خوجلي في قضايا ومحاور مختلفة ،وكعادته كانت اجاباته حاضرة ، وكانت من أهم الاسئلة التي طرحت على الاستاذ حسين خوجلي في ذلك الحوار ، من هو رئيس تحرير صحيفة ألوان القادم؟ ، وبكل ثقة قال الاستاذ خوجلي ان رئيس تحرير ألوان القادم هي ملاذ حسين خوجلي ، وملاذ هي كريمة الاستاذ وكانت تعمل في احدى الشركات الكبرى في شرق الخرطوم ، وهي تجيد الانجليزية والفرنسية فيما اعتقد ، وكان بالفعل الاستاذ حسين يعد (ملاذ) لتكون أول رئيس تحرير لالوان بعد مؤسسها وصاحب الامتياز فيها ، وبالتالي طوال تلك الفترة لم ينل هذا الشرف الذين تولوا مناصب قيادية دون منصب رئيس التحرير طوال تاريخ مسيرة ألوان مثل الاستاذ احمد عبد الوهاب والصادق الرزيقي ، رغم انهما كانا يقومان فعليا بدور رئيس التحرير ، ولم يكن في خلد الاستاذ خوجلي ان يرأس تحرير ألوان غير ملاذ .
ولكن التطورات التي حدثت بعد ذلك وانتقال الاستاذ خوجلي الى تأسيس وسائل اعلام جديدة مثل اذاعة المساء (اف ام) وفضائية امدرمان ، فهذه المشروعات الاعلامية قد شغلت خوجلي نهائيا عن أبنته المدللة (ألوان)، وبات العمل والاشراف على الفضائية يأخذ كل وقته ولايجد ساعة يقف فيها على احوال (ألوان ) ، مثل ما كان في السابق يتوسط محرريه وينثر عليهم حكايات سياسية وثقافية واجتماعية من تاريخ وحاضر السودان .
وبدأ خوجلي بالبحث عمن يخلفه في رئاسة التحرير ولم تعد ملاذ حسين خوجلي هي البديل الاول أوالاوحد ، لأن الاستاذة ملاذ اصبحت واحدة من نجمات فضائية امدرمان ،وهي تقدم برامج سياسية وحوارية ، ولم يعد منصب رئيس التحرير مناسبا لها ولم تعد هي خيار خوجلي الاول ، ويبدو انه سيعد الاستاذة لادارة الفضائية .
واعتبر البعض مغادرة حسين خوجلي لمقعد رئيس تحرير الوان وترك المنصب بعد ثلاثين عاما هو اعتراف ضمني وصريح ان الصحافة الورقية تتجه الى نهائياتها ، وان الإعلام الجديد هو المسيطر الان ، والذي ساهم في وجود الصحافة المجتمعية والمواطن الصحفي ، الذي ينشط في جمع الاخبار والمعلومات وكتابة الاراء والتعليقات على الاحداث ويرسلها عبر الوسائط المختلفة ، حيث باتت الصحافة المجتمعية تلعب دورا مهما وكبيرا في نقل المعلومات والاخبارعبر شبكات التواصل الاجتماعي ،والهواتف السيارة بسرعة تتجاوز الصحف ووكالات الانباء ،بل حتى الفضائيات والاذاعات .
وبالتالي ترك المنصب يكون قد فرضته ترتيبات وتطورات ايضا في الرسالة الاعلامية ولم تعد الصحافة الورقية مؤهلة بوضعها الحالي ان تكون في مارثون السباق الاعلامي ، وهذا ما يبدو ان قناعات حسين خوجلي قد توصلت الى انه يجب التواجد في ميدان غير الصحافة الورقية، وغياب خوجلي عن مقعد رئيس التحرير لايمثل مشكلة لانه موجود في الفضائية وبمساحة انتشار اوسع من توزيع الوان وكل الصحف التي تصدر في الخرطوم .
واعتقد ان الخيار الذي تم باختيار الاستاذ حسين خوجلي لاجراء حوار مع السيد رئيس الجمهورية في ختام فعاليات مؤتمر الحوار الوطني، والذي نقل عبر كل الفضائيات السودانية ومفتوح لكل القنوات العالمية هو اختيار موفق لما يملكه الاستاذ حسين خوجلي من امكانيات الحوار والحضور السياسي ومعلوماته الغزيرة في الشأن الوطني والاقليمي والدولي، وقد أحدث الحوار ردود فعل واسعة ،ووجد حظه ايضا في الصحافة بالنشر كاملا وبالتعليق عليه في المقالات والاعمدة الصحفية .
ويعتبر هذا الحوار الذي اجراه الاستاذ حسين خوجلي مع السيد رئيس الجمهورية عقب خواتيم مؤتمر الحوار الوطني ، تكريما له لإختياره من قبل الرئاسة من بين عدد من الأسماء التي كانت مرشحة لاجراء الحوار ،والامر الثاني ان هذا الحوار صادف ايضا مغادرة حسين خوجلي لمقعد رئيس التحرير بعد ثلاثين عاما في بلاط صاحبة الجلالة ،وكان هذا ايضا تكريما وهو يختم فترته كرئيس تحرير بإجراء حوار مع السيد رئيس الجمهورية المشير عمر، مع مرحلة سياسية في البلاد.
وأمس الاول انطلقت مسيرة جديدة في تاريخ صحيفة ألوان بتولي الاستاذ محمد الفاتح أحمد رئاسة التحرير خلفا لمؤسسها وصاحب الامتياز حسين خوجلي ،وظهر اسمه رئيسا لمجلس الادارة ومديرا عاما ، والشكل الذي ظهرت فيه ألوان امس وأمس الاول يشكل مؤشر ا في طفرة ستشهدها الصحيفة لتنافس نظيراتها في ظل نهائيات غير سعيدة لمستقبل الصحافة الورقية .