دولار عبد الوهاب ودولار بدرالدين (2)

ghaibona  بالأمس ذكرت أن الدكتور عبدالوهاب عثمان وزير المالية الأسبق – رحمه الله – كان منشغلاً بأمر الدولار فكان أن وضع ذلك الدولار في قمقم وأغلقه وجعل له ضوابط تماماً كما يفعل الإحتياطي الفدرالي الأمريكي ومن ورائه تلك الأطنان المأنطنة من الذهب في فورت نوكس. فمثلا يحدد البنك المركزي الامريكي انه على اى بنك أن يحتفظ بعشرة في المائة من الودائع كاحتياطي مع إمكانية التصرف في 90% في معاملاته . فإذا اودع احد الاشخاص 1000 دولار على البنك ان يحتفظ بمائة دولار كاحتياطي وان يدخل الـ900 دولار المتبقية في معاملاته، ولنفترض ان شخصا استلف تلك الـ900 دولار من البنك وذهب واشترى بها سيارة  وقام صاحب تلك السيارة بإيداع الـ900 دولار في حسابه في البنك فإن للبنك الحق ان يحتفظ بتسعين دولارا كاحتياطي وان يقوم بتسليف الـ810 دولارات المتبقية وتستمر الدائرة وهكذا ترى ان الألف دولار التي أودعها الشخص الأول للبنك يمكن ان تحقق للنظام المصرفي تعاملا في حدود 9 آلاف دولار كسلفيات، وبالتالي فإن ما يضخه البنك المركزي من 100 مليون دولار في النظام المركزي تظهر في معاملات بحجم 900 مليون دولار .. وهي التي يلجأ اليها الاحتياطي الفدرالي لطبع عملات ورقية لم تكن موجودة من قبل . وهي ذات العملية التي اعتمد عليها بنك الاعتماد والتجارة في تضخيم رأس ماله بإغراء الدول والحكومات بإيداع حساباتها في فروع البنك المنتشرة في جميع انحاء العالم وفي تحويل تلك الودائع من هونج كونج الى جزر كيمان الى لندن وتضخم صورتها النظرية مع ضمور قيمتها الحقيقية .. وبالتالي يستطيع ان يستخدم تلك كرهن يحصل فيه على ضمانات بنكية اضافية . ومن ضمن الدول التي ذكرها تقرير نشر في جريدة الشرق الأوسط كان السودان وذلك عام 1977 حيث أودع بنك السودان كل ما عنده من أموال في حساب بنك الاعتماد والتجارة لفترة محدودة وأورد التقرير أن عمولة ذلك كانت في حدود 70 الف دولار دفعت لأشخاص معينين.
ثم بعد ذلك تحولت عملتنا من الدينار إلى الجنيه وسحبنا منه ثلاثة اصفار ليستقر على ماهو عليه اليوم، أي أن سعر الصرف البنكي الذي يوازي السوق الموازي أو المزازي هو في الواقع يساوي أكثر من 15 ألف جنيه وبالرغم من أن الناس يقولون 15 جنيها إلا أنهم ظلوا يحسبون بالقديم فيقولون : مليون بالقديم بالرغم من أنهم في تعاملاتهم الرسمية وفي دفاتر شيكاتهم يكتبون ألف جنيه . وظل ذلك الجنيه بقيمته الحقيقة قابعاً في تلافيف الذاكرة الجماعية في حالة الأرقام العالية والحديث عن المليارات المتداولة اليوم في أحاديث الناس هي في الواقع أحاديث عن مليونات من الجنيهات. فلو سمعت أو قرأت أن أحد وزراء المالية إشترى منزلاً في الرياض ب 4 مليارات .. هم في الواقع الدفتري يقصدون 4 ملايين جنيه. وهذا خلق نوعاً من الشيزوفرنيا الحسابية فإذا رصد وزير المالية زيادات في رواتب المعاشيين في موازنته تساوي مائة جنيه هي في الواقع القديم تساوي مائة الف جنيه.
ولا أعرف لماذا ظلت هذه الشيزوفرنيا الحسابية لاصقة بجنيهنا وكله رائح في بعضه.
إن إزالة الأصفار ليست معضلة في قطر يملك مقدرات يمكن استغلالها Potential وإدارتها بحصافة وحسن تخطيط. . فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في النصف الثاني من عام 1945 م . بلغ سعر الدولار 8 مليارات مارك . ولكن الدول التى تحمل في داخلها عافية اقتصادية مستبطنة يمكن أن تنهض من تلك الكبوة في زمن وجيز . فعندما قدم الجنرال مارشال مشروعه لدعم الإقتصاد الألماني دارت المصانع ونهض المارك الألماني تحت قيادة المستشار أديناور وفي زمن وجيز عاد المارك ليحتل وضعه الطبيعي . ثم إن هناك هنقاريا أو الميجر  التي حذفت ستة وثلاثين صفراً لتفسح المجال للفورينت ، عملتها الحالية لتطل من على منصة الإقتصاد العالمي وبعد حذف هذه الاصفار الستة والثلاثين فإن 267 منها تساوي دولاراً واحداً، ولكن الاقتصاد المجري ينعم بوجوده داخل حصانة المجموعة الاوربية ويملك  قدرات صناعية وزراعية تمكنه من الاستقرار . (نواصل)